الفصل التاسع
الحرب العالمية الأولى
.. مأساة العالم المسيحي
نبدأ
الحديث في هذا الفصل بما جاء في البروتوكول السابع من بروتوكولات حكماء
صهيون بما نصه: (علينا أن نرد على أي دولة تجرؤ على اعتراض طريقنا بدفع الدولة
المجاورة لها إلى إعلان الحرب عليها و لكن إذا قررت الدولة المجاورة بدورها أن
تتخذ ضدنا موقفا فيجب علينا الرد بإشعال حرب عالمية)
فالإمبراطورية
الألمانية الحديثة لم تقم كما أرادتها اليد الخفية من جراء حركات
ثورية تأتي بها وبأفاعيها إلى السطح، بل من جراء قرار الأمراء كما أراد ملك بروسيا.
صحيح أن نفوذ الطبقة الوسطى (البورجوازية) المخترقة كلية من قبل اليهود ازداد
قوة بفضل النجاح الاقتصادي، إلا أن العمل السياسي ظل حكراً على النبلاء، والضباط
الألمان انحدر معظمهم من عائلات أرستقراطية. وقد علمنا من قبل أن محاولات إختراق
هذه الطبقات في ملكيات أوروبا للوصول إلى الحكم كان مرهقا لليهود دون أن يطالوا
شيئا في غالب الأحيان .. ورغم سياسة بسمارك الخارجية بعيدة النظر، والذي حكم ١٩ عاما،
إلا أنه لم يتفهم الاتجاهات الداخلية الحقيقية. وكافح بمرارة الجناح اليساري
للطبقة الوسطى الليبرالية، وزج نفسه في مواجهات بلا طائل مع الكاثوليكية السياسية
والحركة العمالية التي أخضعها بموجب قانون الاشتراكيين ما بين عام ١٨٧٨م و ١٨٩٠م لقانون الطوارئ نوعاً ما ... فما لم
يكن يفهمه بسمارك أن من أوصلوه إلى سدة الحكم
لم يستوفوا أجندتهم بما تحقق برغم التقدم المذهل الذي عاشته البلاد والمكاسب التي
جنوها من وراء هذا التقدم من أنشطتهم المرابية، لذلك لا بد من رد ألمانيا لأتون
الحرب حتى يتشكل معدن القطر من جديد.
وإذا
جمعنا إلى ذلك ما واجهه اليهود في روسيا بعد مقتل القيصر والهجرة الواسعة
من يهود روسيا إلى اوروبا الشرقية والغربية مما سرع في انهيار حركة الإندماج،
وما تواجهه حكومة الخفاء في بريطانيا من عقبات.. وقد كانت خطط اليهود في بريطانيا
تجري على قدم وساق للتهيئة لإقامة دولتهم بفلسطين، وقد تمكن اليهودي ديزرائيلي
رئيس وزراء بريطانيا من شراء حصة الخديوي من قناة السويس عام 1875 وكان ديزرائيلي
ووزير خارجيته اللورد سالزبري يتبنيان مشروع بالمرستون فشجعا اللورد لورنس
اوليقانت بالتفاوض مع الحكومة العثمانية حول ارض يمكن لليهود استيطانها، ولكن الاحداث
تلاحقت .. ففي عام 1880 فاز حزب الاحرار في الانتخابات وتولى غلادستون محل ديزرائيلي،
وبحث الصهاينة اليهود عن صهاينة بريطانيا امثال (بالمرستون وشافنسري وديزرائيلي
وسالزبري) … فلم يجدوهم!
إلا
أننا نشكك في ضخامة هذه الهجرة الواسعة والمذابح والإضطهاد الذي لقيه اليهود
على أيدي الروس غير أننا نؤمن أن هذه الكذبة الكبرى أستغلت كذريعة، ويكفي أن نتناول
بعض ما جاء في رسالة وجهها الكاتب الروسي (الكسندر كوبرين) إلى المؤرخ و العالم
اللغوي الروسي ( باتيوشكوف) بتاريخ 18/3/1909 لنعرف من هو الجاني ومن هو الضحية،
فقد جاء في رسالته ما يلي : (إن معظم الناس في روسيا يحاولون و منذ زمن بعيد
الهروب من بطش الجلادين اليهود, إن تعطش الشعب اليهودي إلى حب السيطرة و من ثم انغلاق
الفئات اليهودية كافة على نفسها عبر التاريخ قد جعلا من ( شعب الله المختار ) هذا قوة
خارقة و فظيعة تشبه سربا من ذباب الدواب, و التي بإمكانها أن تقتل الفرس في
الوحل. والأمر الذي هو أفظع من ذلك أن الجميع على السواء يعترفون بتلك الحقيقة القاسية
ويزداد الأمر سوءا من جراء أننا جميعا نهمس في آذان بعضنا عن بشاعة هذا الواقع
بسرية تامة في لقاءاتنا و جلساتنا الخاصة و لكن لا يجرؤ أحد منا على أن يصرح بذلك
علنا للملأ . لقد أصبح الآن من السهل جدا أن تكيل فيضا من اللعنات و السباب في سائر
الصحف اليومية و في مختلف المجلات والكتب لأي شخصية مرموقة كانت بدءا من القيصر
نفسه وانتهاء بأي إنسان بسيط وحتى في الإمكان اليوم أيضا أن تسب الإله علنا إذا
أردت ذلك و لكن هيهات أن تحاول سب أي شخص يهودي ؟؟ و إذا حدث ذلك فعلا
فعندها تقوم القيامة و تهب العواصف
الصاخبة من الاحتجاجات و الاستنكارات و خصوصا في الأوساط
التي يسيطر عليها اليهود كمجال الصيدلة و الطب و المحاماة و بالتحديد بين الكتاب
الروس حيث أن كل شخص يهودي , على ما يبدو قد جاء إلى هذه الدنيا و كأنه يحمل رسالة
إلهية محددة و هي أن يصبح كاتبا روسيا شهيرا ..... هذه هي الحقيقة بأم عينها كما
يفكر فيها و يعرفها كل شخص روسي بعقله و قلبه وروحه و لكن لا أحد يجرؤ على الجهر
بهذه الحقيقة المؤلمة علنا، وهذا بالطبع يعتبر جبنا واضحا و خوفا من هؤلاء الجلادين
اليهود و بطشهم و من تلفيق مختلف التهم المزيفة لمن يوجه إليهم الإدانة مباشرة
بل و يلقبونه بأنه شخص معاد للسامية بل و للإنسانية جمعاء و يعاقب على ذلك أمام
الدولة و القانون) ... إذن من هو الجلاد ومن هو
الضحية؟؟!! فالمسألة لم تكن أكثر
من إعداد اليهود للإطاحة بحكم القياصرة المسيحيين للإتيان بثورتهم الملحدة.
ولا
ننسى هنا أن ننوه أن إمبراطور حكومة الظلام جيمزأمشيل ( روتشيلد الثالث
) قد هلك 15/11/ 1868 تاركا خلفه إمبراطورية أدارها لأكثر من خمسين عاما، قضاها
في تدبيرالمؤامرات والتقتيل في أوروبا لتركيع الإمبراطوريات المسيحية، بل وحتى
في فرنسا التي آوته ومنحته لقب البارون.. وخلفه إبنه الأكبر ألفونس (روتشيلد الرابع) (Alphonse Rothschild) ليدير
تلك الإمبراطورية، فالأهداف معلومة والخطة موضوعة،
وما ينقص هو التنفيذ حسب الأجندة الموضوعة، وستتوج مجهوداتهم أخيرا بتمويل بناء
المستوطنات بفلسطين.
وهذا
ما كتبه وليام غاي كار من كليرواتر – فلوريدا في 13 /10/ 1958 في مقدمة
كتابه ( أحجار على رقعة الشطرنج ):
(وفي
عام 1834 اختار النورانيون (حكومة العالم الخفية) الزعيم الثوري الإيطالي
جيوسيبي مازينيGuiseppi Mazzini ليكون
مدير برنامجهم لإثارة الاضطرابات في العالم
.. وفي عام 1840 جيء إليه بالجنرال الأميركي بايك Albert Pike الذي لم
يلبث أن وقع تحت تأثير مازيني ونفوذه
.. تقبل الجنرال بايك فكرة الحكومة العالمية الواحدة
حتى أصبح فيما بعد رئيس النظام الكهنوتي للمؤامرة الشيطانية . وفي الفترة بين
عامي 1859 و 1871 عمل في وضع مخطط عسكري لحروب عالمية ثلاث، وثلاث ثورات
كبرى اعتبر أنها جميعها سوف تؤدي خلال
القرن العشرين إلى وصول المؤامرة إلى مرحلتها النهائية
.. قام الجنرال بايك بمعظم عمله في قصره المكون من ثلاث عشرة غرفة الذي أنشأه
في بلدة ليتل روك في ولاية أركنساس عام 1840 . وعندما أصبح النورانيون ومعهم محافل
الشرق الأكبر موضعا للشبهات والشكوك بسبب النشاط الثوري الواسع الذي قام به مازيني
في كل أرجاء أوروبا أخذ الجنرال بايك على عاتقه مهمة تجديد وإعادة تنظيم الماسونية
حسب أسس مذهبية جديدة . وأسس ثلاث مجالس عليا أسماها " البالادية" , الأول في
تشارلستون في ولاية كارولينا الجنوبية في الولايات المتحدة , الثاني في
روما بإيطاليا , والثالث في
برلين بألمانيا. وعهد إلى مازيني
بتأسيس ثلاثة وعشرين مجلسا ثانويا تابعا لها موزعة على المراكز الإستراتيجية في
العالم . وأصبحت تلك المجالس منذئذ وحتى الآن مراكز القيادة العامة السرية للحركة
الثورية العالمية (صفحة17) .. كان مخطط الجنرال بايك بسيطا بقدر ما كان فعالا
.. كان يقتضي أن تنظم الحركات العالمية الثلاث الشيوعية والنازية والصهيونية السياسية
وغيرها من الحركات العالمية ثم تستعمل لإثارة الحروب العالمية الثلاث والثورات
الثلاث.. وكان الهدف من الحرب العالمية الأولى هو إتاحة المجال للنورانيين للإطاحة
بحكم القياصرة في روسيا وجعل تلك المنطقة معقل الحركة الشيوعيةالإلحادية , ثم التمهيد
لهذه الحرب باستغلال الخلافات بين الإمبراطوريتين
البريطانية والألمانية , هذه الخلافات التي ولدها بالأصل عملاء النورانيين
في هاتين الدولتين .. وجاء بعد انتهاء الحرب بناء الشيوعية كمذهب واستخدامها
لتدمير الحكومات الأخرى وإضعاف الأديان).
وفي
10/8/ 1871م أخبر الجنرال بايك مازيني أن الذين يطمحون للوصول إلى السيطرة
المطلقة على العالم سيسببون بعد نهاية الحرب العالمية الثالثة أعظم فاجعة اجتماعية
عرفها العالم في تاريخه.. وسوف نورد فيما يلي كلماته المكتوبة ذاتها (مأخوذة
من الرسالة التي يحتفظ بها المتحف البريطاني في لندن بإنكلترا).
(سوف
نطلق العنان للحركات الإلحادية والحركات العدمية الهدامة وسوف نعمل لإحداث
كارثة إنسانية عامة تبين بشاعتها اللامتناهية لكل الأمم نتائج الإلحاد المطلق
وسيرون فيه منبع الوحشية ومصدر الهزة الدموية الكبرى .. وعندئذ سيجد مواطنو جميع
الأمم أنفسهم مجبرين على الدفاع عن أنفسهم حيال تلك الأقلية من دعاة الثورة العالمية
فيهبون للقضاء على أفرادها محطمي الحضارات وستجد آنئذ الجماهير المسيحية أن
فكرتها اللاهوتية قد أصبحت تائهة غير ذات معنى وستكون هذه الجماهير بحاجة متعطشة إلى
مثال وإلى من تتوجه إليه بالعبادة وعندئذ يأتيها النور الحقيقي من عقيدة الشيطان
الصافية التي ستصبح ظاهرة عالمية والتي ستأتي نتيجة لرد الفعل العام لدى الجماهير
بعد تدمير المسيحية والإلحاد معا وفي وقت واحد) ( صفحات 18 – 19 )
أما
على صعيد الحرب .. فقد كان الحلفاء يتفوقون على ألمانيا والنمسا
والمجر في القوة العسكرية، فقد كان لديهم (30) مليون مقاتل، في مقابل (22) مليون
مقاتل، وكان للبحرية الإنجليزية السيطرة على البحار. أما الجيش الألماني فكان أفضل
الجيوش الأوروبية وأقواها، وبلغت قوته أربعة ملايين وثلاثمائة ألف مقاتل مدربين
تدريبًا كاملا، ومليون مقاتل مدربين تدريبًا جزئيًا.
وبدأت
ألمانيا في تنفيذ خطتها لغزو فرنسا التي وضعت قبل تسع سنوات، غير
أن روسيا انتهزت فرصة انشغال القوات الألمانية في فرنسا، وأرسلت جيشين كبيرين لتطويق
القوات الألمانية في روسيا الشرقية، الأمر الذي اضطر ألمانيا إلى سحب ثلثي القوات
الألمانية بعد أن كانت على بعد (12) ميلا من باريس، وانتصر الألمان على الروس
في معارك تاننبرج الشهيرة، وفقدت روسيا ربع مليون من جنودها، إلا أن هذا الانتصار
أدى إلى هزيمة الألمان أمام الفرنسيين في معركة المارن الأولى، وكتب الخلاص
لباريس من السيطرة الألمانية، وتقهقر الألمان وأقاموا المتاريس والخنادق، وتحولت
الحرب منذ ذلك الحين إلى حرب خنادق احتفظ خلالها الألمان بتفوق نسبي فكانوا على
بعد (55) ميلا من باريس.
لم
تمنع هزيمة روسيا أمام الألمان من قتال النمسا والانتصار عليها حيث أجبرتها
على الارتداد إلى مدينة كراكاو البولندية القديمة، وأصبح الروس في وضع يهددون
فيه ألمانيا تهديد خطيرًا؛ لأنهم لو تمكنوا من احتلال كراكاو لأمكنهم تدمير خط
الدفاع على الحدود الألمانية بأسره، ولم يجد الألمان وسيلة غير تهديد وارسو في بولندا
الخاضعة للسيادة الروسية، واشتبك الطرفان في معارك (لودز) والتي انتهت بحماية
الحدود الألمانية.
وفي
نهاية أكتوبر 1914م دخلت الدولة العثمانية الحرب إلى جانب ألمانيا ضد
روسيا، فقام الحلفاء بحملة عسكرية ضخمة على شبه جزيرة غاليبولي بهدف إنشاء ممر بين
البحرين الأبيض والأسود، والاستيلاء على القسطنطينية لإنقاذ روسيا من عزلتها، وتطويق
ألمانيا، غير أن هذه الحملة فشلت وانهزم الأسطول الإنجليزي وكانت كارثة كبيرة
للحلفاء، فعمدوا إلى مهاجمة الدولة العثمانية في ممتلكاتها في الشرق الأوسط واستولوا
على الممتلكات الألمانية في الشرق الأقصى والمحيط الهادي.
استطاع
الألمان عام 1915م تحقيق مزيد من الانتصارات على الحلفاء، فألحقوا
الهزيمة بالروس في معركة (جورليس تارناو) في مايو 1915م، واحتلوا بولندا ومعظم
مدن لتوانيا، وحاولوا قطع خطوط الاتصال بين الجيوش الروسية وقواعدها للقضاء عليها،
إلا أن الروس حققوا بعض الانتصارات الجزئية على الألمان، كلفتهم (325) ألف أسير
روسي، الأمر الذي لم يتمكن بعده الجيش الروسي من استرداد قواه. وأدى النجاح الألماني
على الروس إلى إخضاع البلقان، وعبرت القوات النمساوية والألمانية نهر الدانوب
لقتال الصرب وألحقوا بهم هزيمة قاسية.
واستطاع
الألمان في ذلك العام أن يحققوا انتصارات رائعة على بعض الجبهات،
في حين وقفت الجبهة الألمانية ثابتة القدم أمام هجمات الجيشين الفرنسي والبريطاني،
رغم ظهور انزعاج في الرأي العام الإنجليزي من نقص ذخائر الجيش البريطاني
ومطالبته بتكوين وزارة ائتلافية، وحدثت تغييرات في القيادة العسكرية الروسية.
وفي
مايو 1915م أعلنت إيطاليا الحرب على النمسا بعد أن كانت أعلنت حيادها
عند نشوب الحرب، فقد أغراها الحلفاء بدخول الحرب لتخفيف الضغط عن روسيا مقابل
الحصول على أراض في أوروبا وإفريقيا، واستطاع الإيطاليون رغم هامشية دورهم وضع
الإمبراطورية النمساوية في أحرج المواقف، لذلك قامت الدول المركزية بحملة عليها بقيادة
القائد الألماني بيلوف، وألحقوا بإيطاليا هزيمة ساحقة في كابوريتو في أكتوبر 1917م،
وأصبح ضعف إيطاليا هو الشغل الشاغل للحلفاء طوال ذلك العام. وقد تميز ذلك العام
بمعركتين كبيرتين نشبتا على أرض فرنسا دامت إحداهما سبعة أشهر، والأخرى أربعة أشهر،
وهما معركة (فردان) و(السوم)، فقد خسر الألمان في المعركة الأولى (240) ألف قتيل
وجريح، أما الفرنسيون فخسروا (275) ألفا. أما معركة السوم فقد استطاع خلالها الحلفاء
إجبار الألمان على التقهقر مسافة مائة ميل، وقضت هذه المعركة على الجيش الألماني
القديم، وأصبح الاعتماد على المجندين من صغار السن، وخسر الجيش البريطاني في
هذه المعركة ستين ألف قتيل وجريح في اليوم الأول فقط.
وظهرت
في هذه المعارك الدبابة لأول مرة في ميادين القتال، وقد استطاع الروس
خلال ذلك العام القيام بحملة على النمسا بقيادة الجنرال بروسيلوف، وأسروا (450) ألف
أسير من القوات النمساوية والمجرية؛ فشجع هذا الانتصار رومانيا على إعلان الحرب
على النمسا والمجر، فردت ألمانيا بإعلان الحرب عليها، واكتسح الألمان الرومانيين
في ستة أسابيع ودخلوا بوخارست.
وجرت
في ذلك العام حرب بحرية بين الألمان والإنجليز عرفت باسم (جاتلاند)،
خرج خلالها الأسطول الألماني من موانيه لمقاتلة الأسطول الإنجليزي على أمل
رفع الحصار البحري المفروض على ألمانيا، وانتصر الألمان على الإنجليز وألحقوا بالأسطول
الإنجليزي خسائر فادحة، ولجأ الألمان في تلك الفترة إلى ما سمي بحرب الغواصات
بهدف إغراق أية سفينة تجارية دون سابق إنذار، لتجويع بريطانيا وإجبارها على
الاستسلام، غير أن هذه الحرب استفزت الولايات المتحدة، ودفعتها لدخول الحرب في إبريل
1917م، خصوصًا بعد أن علمت أن الألمان قاموا بمحاولة لإغراء المكسيك لكي تهاجم
الولايات المتحدة في مقابل ضم ثلاث ولايات أمريكية إليها.. وكانت الولايات المتحدة
قبل دخولها الحرب تعتنق مذهب مونرو الذي يقوم على عزلة أمريكا في سياستها الخارجية
عن أوروبا، وعدم السماح لأية دولة أوروبية بالتدخل في الشؤون الأمريكية، غير
أن القادة الأمريكيين رأوا أن من مصلحة بلادهم الاستفادة من الحرب عن طريق دخولها..
وقد استفاد الحلفاء من الإمكانات والإمدادات الأمريكية الهائلة في تقوية مجهودهم
الحربي، واستطاعوا تضييق الحصار على ألمانيا على نحو أدى إلى إضعافها.
ومن
الأحداث الهامة التي شهدها عام 1917م قيام ونجاح الثورة البلشفية في
روسيا، وتوقيع البلاشفة صلح برست ليتوفسك مع الألمان في 1918م، وخروج روسيا من الحرب.
وشهد ذلك العام ـ أيضًا ـ قيام الفرنسيين بهجوم كبير على القوات الألمانية بمساعدة
القوات الإنجليزية، غير أن هذا الهجوم فشل وتكبد الفرنسيون خسائر مروعة سببت
تمردًا في صفوفهم، فأجريت تغييرات في صفوف القيادة الفرنسية.
ورأى
البريطانيون تحويل اهتمام الألمان إلى الجبهة البريطانية، فجرت معركة
(باشنديل) التي خسر فيها البريطانيون (300) ألف جندي بين قتيل وجريح، ونزلت نكبات
متعددة في صفوف الحلفاء في الجبهات الروسية والفرنسية والإيطالية، رغم ما حققه
الحلفاء من انتصارات على الأتراك ودخولهم العراق وفلسطين.
شجع
خروج روسيا من الحرب القيادة الألمانية على الاستفادة من (400) ألف
جندي ألماني كانوا على الجبهة الروسية وتوجيههم لقتال الإنجليز والفرنسيين، واستطاع
الألمان تحطيم الجيش البريطاني الخامس في مارس 1918م، وتوالت المعارك العنيفة
التي تسببت في خسائر فادحة في الأرواح، والأموال، وقدرت كلفة الحرب في ذلك العام
بحوالي عشرة ملايين دولار في الساعة.
وبدأ
الحلفاء يستعيدون قوتهم وشن هجمات عظيمة على الألمان أنهت الحرب، وقد
عرفت باسم (معركة المارن الثانية) في يوليو 1918م وكان يوم 8/8/1918 م يومًا أسود
في تاريخ الألمان، إذ تعرضوا لهزائم شنيعة أمام البريطانيين والحلفاء، وبدأت ألمانيا
في الانهيار وأُسر حوالي ربع مليون ألماني في ثلاثة أشهر، ودخلت القوات البريطانية
كل خطوط الألمان، ووصلت إلى شمال فرنسا، ووصلت بقية قوات الحلفاء إلى فرنسا.
وخلال
تلك السنوات عرضت عدة محاولات هدنة أو سلام، حتى كان مطلع العام 1918 عندما
حدّد الرئيس الأميركي ويلسون برنامجاً من 14 نقطة للسلام، ضمّنه مبادىء عامة
من ضمنها حرية الملاحة في البحار، ونزع القيود على التجارة، وتخفيض التسلح، وإعادة
الألزاس واللورين إلى فرنسا وغيرها من التعديلات الإقليمية في أوروبا والعالم،
وفي تلك الأثناء كان الألمان يحاولون حسم الحرب قبل أن تتمكن الولايات المتحدة
من التأثير على مجراها.. غير أن الحلفاء تمكنوا في ذلك العام من تحقيق سلسلة
نجاحات على الجبهة الغربية، حيث منيت القوات الألمانية بهزائم أدت إلى بداية تفككها.
وفي 6/10/ 1918 واجه المستشار الألماني بادن الرئيس الأمريكي ويلسون بعقد هدنة
على أساس برنامجه. غير أن ويلسون رفض الطلب. وفي 29/10/1918م بدأت انتفاضة في ألمانيا
قادها الشيوعيون واليساريون. وتمّ تشكيل حكومة اشتراكية أعلنت تحويل البلاد إلى
جمهورية في 9/11/1918م، وفي اليوم التالي فرّ القيصر الألماني إلى هولندا، وكانت
مباحثات الهدنة قد بدأت في 7 نوفمبر، وتمّ التوصل إلى اتفاقية في 11/11/1918م تعهّد
الألمان بموجبها بإخلاء كل الأراضي المحتلة والألزاس واللورين والمناطق الألمانية
غربي الراين، بالإضافة إلى ثلاث مناطق شرقي الراين يحتلها الحلفاء، وتسليم
الحلفاء 5000 مدفع و25,000 رشاش وكل الغواصات والسفن القتالية الألمانية.
وكان
النمساويون قد وقّعوا هدنة في 3/11/1918م بعد أن مُنوا بهزائم كبيرة، كما
تمكّن البريطانيون من الوصول إلى حلب في 25 أكتوبر، واضطرت تركيا إلى توقيع هدنة
في 30/10/1918م في مودروس.
وفي
28/6/1919، تمّ الانتهاء من معاهدة فرساي التي تضمنت تجريد ألمانيا من مستعمراتها
ومن الألزاس واللورين ومن بوزن، ومن أجزاء من شلسفيغ وسيليزيا. كما فرضت عليها
تعويضات بلغت 56 مليار دولار، وفرض عليها عدم التسلح.
أدّت
الحرب العالمية الأولى إلى تغييرات جذرية في العالم، إذ اختفت أربع إمبراطوريات
كبرى هي الألمانية والنمساوية والروسية والعثمانية. وظهرت
عدة دول جديدة وكيانات مستحدثة مكانها مثل فنلندا وأستونيا
ولاتفيا وليتوانيا وبولونيا. وسلخت عن الإمبراطورية العثمانية مناطق واسعة كأرمينيا
والبلاد العربية وتراقيا وأزمير، وفق معاهدة (سيفر)، كما أدّت الحرب إلى انتصار
الثورة البلشفية في روسيا وظهور أول دولة اشتراكية في العالم.
خرجت
بريطانيا وفرنسا بمكتسبات كبيرة إثر الحرب، وتعززت سيطرتها الاستعمارية
على مناطق واسعة من العالم. وبالمقابل، عانت ألمانيا من أزمات سياسية واقتصادية
بالغة الأهمية، ساهمت في التمهيد أمام ظهور النازية، ولم يستمر التوازن الذي
نجم عن الحرب العالمية الأولى لفترة طويلة بعد انتهائها. إذ انهار في العام 1939 مع
اندلاع الحرب العالمية الثانية.
لقد
تمّ تعبئة حوالي 65 مليون جندي في مختلف الجيوش المشاركة في الحرب، وبلغ
عدد القتلى العسكريين الذين سقطوا إبان المعارك أكثر من عشرة ملايين جندي، كما قُدّرت
الكلفة الاقتصادية للحرب بحوالي ثلاثمائة تريليون دولار، حسب عملة تلك الأيام.
وبذلك
إختفت أربع إمبراطوريات كبرى .. الإمبراطورية الألمانية الفتية والنمساوية(الإمبراطورية
الرومانية المقدسة) والإمبراطورية الروسية القيصرية والإمبراطورية
العثمانية الإسلامية.. ويا له من نصر لإمبراطورية الخفاء التي آن لقائدها
الشيطان الأكبر أمشيل أن يهنأ في قبره (إن كان ليهنأ) .. إختفت الإمبراطوريات
الدينية وحل مكانها بأوروبا العجوز دول فسيفساء يتملك أغلبها الحقد على
بعض بما ينبيء بحروب وشيكة لا تبقي ولا تذر.
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق