الخميس، 8 مارس 2012

الفصل الحادي عشر


الفصل الحادي عشر

الحرب العالمية الثانية .. أم مآسي العالم الحديث

كان من أبرز ما حققه اليهود ومحافلهم الماسونية وحركتهم الصهيونية في تاريخهم على الإطلاق ، وعلى رأسهم قادتهم الروتشلديون الذين تسنموا ذروة تنظيماتهم منذ زهاء المائة وخمسين عاما، إنتزاعهم إعتراف إنجلترا لما سمي بحقهم في تأسيس وطن قومي بفلسطين، هذا الإعتراف الشهير الذي سمي بوعد بلفور نشر في الصحف البريطانية صباح 8 /11/ 1917م وكان نصه التالي:

وزارة الخارجية

الثاني من نوفمبر 1917م

عزيزي اللورد (روتشلد) (الخطاب موجه إلى ليونيل ناثان أمشيل)

يسرني جدًّا أن أبلغكم بالنيابة عن حكومة صاحب الجلالة التصريح التالي الذي ينطوي على العطف على أماني اليهود والصهيونية، وقد عرض على الوزارة وأقرّته:

إن حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قومي للشعب اليهودي في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يكون مفهومًا بشكل واضح أنه لن يؤتى بعمل من شأنه أن ينتقص الحقوق المدنية والدينية التي تتمتع بها الطوائف غير اليهودية المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق أو الوضع السياسي الذي يتمتع به اليهود في البلدان الأخرى.

وسأكون ممتنًا إذا ما أحطتم اتحاد الهيئات الصهيونية علمًا بهذا التصريح.

المخلص 

                                                                     آرثر بلفور

لقد عملت أسرة روتشيلد لثلاثة أجيال دون كلل أو ملل بالمؤامرات والتقتيل والعمل السري المضني لتحقيق أهدفها من دون تراخ أو وهن أو خلاف، كما تعزف الفرق الموسيقية مقطوعاتها في إنسجام تام ليس فيه نشاز .. أمر تفتقده أكثر حكوماتنا رشدا ونبلا ويقظة.

وبذلك تبدأ فترة قاتمة السواد في تاريخ الأمة الإسلامية المكلومة لا تزال توصم جبينها، تزيد من الوطأة حالة تخلف حادة خلفتها قرون من الظلامية عاشتها تحت نير الدولة العثمانية التي بدأت إسلامية وإنتهت إستعمارية بغيضة لم تعمل على تقدم ورفاه الشعوب التي سيطرت عليها. وتشتت وتشرذم خلفه إنهيار إمبراطورية الخلافة(أنى كان شكلها)، ومؤامرات حيكت بحضور وغياب رموز ما سميت بالأقطارالعربية آنذاك، وسنولي هذا الأمر إهتماما خاصا في دراسات أخرى بإذن الله.

كانت المعاملة المهينة من القوى المنتصرة لألمانيا، وتردي الأوضاع الإقتصادية، والديون التي فرضت على ألمانيا بعد الحرب العالمية الأولى و ابرام معاهدة فيرساي، أضف إلى ذلك الكساد الإقتصادي العالمي .. كل ذلك أهّل أدولف هتلر و حزبه اليميني المتطرّف للأخذ بزمام الأمور و اعتلاء كرسي الحكم في ألمانيا ..

ولد أدولف هتلر في 20/4/1889 لأبوين كاثوليكيين هما لويس الأب وكلارا الأم الذين توفيا في 1903 – 1907م .. حاول أدولف الإلتحاق بمدرسة الفنون الجميلة غير أنه لم يقبل وهو ما سيبرر شغفه بالأعمال الفنية الثمينة مستقبلا.. وأثناء تواجده بفيينا، تأثر أدولف كثيراً بالفكر المعادي لليهود نتيجة تواجد اليهود بكثرة في تلك المدينة وتنامي الحقد والكراهية ضدهم لممارساتهم السيئة ومؤامراتهم الدنيئة .. وقد دون أدولف في مذكّراته مقدار مقته وامتعاضه من التواجد اليهودي واليهود بشكل عام.. وفي عام 1903، انتقل أدولف إلى مدينة ميونخ لتفادي التجنيد إلالزامي وكان يتوق للاستقرار في المانيا عوضاً عن إلاقامة في إلامبراطورية المجرية النمساوية لعدم وجود أعراق متعددة كما هو الحال في إلامبراطورية النمساوية.. وباندلاع الحرب العالمية إلاولى، تطوع في صفوف الجيش البافاري وعمل كساعي بريد عسكري بينما كان الكل يتهرب من هذه المهنة ويفضّل الجنود البقاء في خنادقهم بدلاً من التعرض لنيران العدو عند نقل المراسلات العسكرية. وبالرغم من أداء أدولف المتميز والشجاع في العسكرية، إلا أنه لم يرتق المراتب العليا في الجيش.. وخلال الحرب، كوّن هتلر احساساً وطنيا عارماً تجاه المانيا رغم اوراقه الثبوتية النمساوية وصعق ايما صعقة عندما استسلم الجيش إلالماني في الحرب العالمية إلاولى لإعتقاد هتلر باستحالة هزيمة هذا الجيش وألقى باللائمة على الساسة المدنيين في تكبد الهزيمة.

بنهاية الحرب العالمية إلاولى، استمر هتلر في الجيش والذي اقتصر عمله على قمع الثورات الإشتراكية في المانيا. وإنضم إلى دورات معدّة من (إدارة التعليم والدعاية السياسية) هدفها تشخيص الأسباب الحقيقية لهزيمة المانيا في الحرب بالإضافة إلى سبب اندلاعها. وتمخّضت تلك الإجتماعات من إلقاء اللائمة على اليهود و أذنابهم من الشيوعيين والسّاسة.

كان هتلر مقتنعا تماما بأن السبب الأول لهزيمة إلالمان في الحرب هم اليهود وتنظيماتهم السرية التي كانت تعج بها ألمانيا والنمسا، وأصبح من النشطين للترويج لإسباب هزيمة إلالمان في الحرب. ولمقدرة هتلر الكلامية، فقد تم اختياره للقيام بعملية الخطابة بين الجنود ومحاولة استمالتهم لرأيه الداعي لبغض اليهود.

وفي سبتمبر 1919، التحق هتلر بحزب (العمال الألمان الوطني) وفي مذكرة كتبها لرئيسه في الحزب يقول فيها (يجب ان نقضي على الحقوق المتاحة لليهود بصورة قانونية مما سيؤدّي إلى إزالتهم من حولنا بلا رجعة). وفي عام 1920 تم تسريح هتلر من الجيش وتفرغ للعمل الحزبي بصورة تامّة إلى ان تزعم الحزب وغير اسمه إلى (حزب العمال الألمان الإشتراكي الوطني) او (NAZI) بصورة مختصرة. واتخذ الحزب الصليب المعقوف شعاراً له وتبنّى التحية الرومانية التي تتمثل في مد الذراع إلى الأمام.

جاءت الإنتخابات بأدولف هتلر لمنصب المستشارِ (رئيـس الـوزراء) يـوم 30 /1/ 1933 وفي 2 /8/ 1934 أضاف لمنصب المستشارية منصباً أعلى كان يشغله قبلَه بول فون هيندينبرج وهو المنصب الذي جعله إعتباراً من هذا التاريخ  ينادى بلقب القائد وهو بالألمانية فوهرر (FUHRER) .

إستلهم أدولف هتلر فلسفة هيغل الدولية والشمولية .. (حيث يجد هيغل وخلافاً لكانط، ولمشروع سلامه الدائم في كتابه: (مشروع من أجل سلام دائم) إن الحروب الناجعة تعزز قوة الدولة الخارجية، وينادي هيغل بقدرية الحرب، ليس فقط باعتبار أن الحرب هي الوسيلة التي يوطد الفرد بواسطتها نفسه بالنسبة إلى الدولة، لا بل يرى أن الحرب هي شرط لصحة الشعوب الأخلاقية، باعتبارها (عملاً أخلاقيا) ، كما فسر هتلر مفهوم إرادة القوة عند الفيلسوف نيتشه تفسيراً يجعل من منطق القوة معيار الحكم والسياسة والفلسفة الاجتماعية. وقد قامت فلسفة الحق الفاشية عموماً، والنازية خصوصاً على منطق القوة وعبادة الدولة وعلى التطابق ما بين الأمة والعرق والدولة).

ويتماثل في الفكر النازي الشعب مع القائد كما يتماثل القائد مع الشعب والدولة والأمة، وينجلي ذلك في شعار الحزب النازي «أدولف هتلر هو ألمانيا، وألمانيا هي أدولف هتلر».. ويعبّر هتلر عن هذه الحقيقة بقوله: «كل ما تكونون عليه إنما تكونونه من خلالي، وكل ما أكونه إنما أكونه من خلالكم وحدكم». وتسخر وسائل الإعلام في خدمة الكاريزما السياسية للقائد الأوحد، فيدخل صوته بلا وساطة في كل مكان بفعل الراديو، وتعلق صورته في كل المباني العامة، وكل الجدران، وفي البيوت، بحيث يصبح «الفوهرر» كما وصفه جورج أورويل في رواية «الأخ الأكبر» صوتاً وصورة، يتسامى فيها الزعيم بعد تلهيه فيتجرد عن ناسوته ليصبح هالة، أو اسماً، أو أسطورة، ونظاماً قائماً بذاته.

هذه هي أفكار هتلر النازية، القومية العنصرية، نقاء العرق، الأرستقراطية، فلسفة القوة .. وقد ترافقت مع هذه السياسة الدعوة إلى الاستعمار والتوسع بذريعة إقامة مجال حيوي للأمة حتى ولو على حساب الشعوب الأخرى.

أما بالنسبة لعدائه لكل ما هو يهودي وتحميلهم أسباب الهزيمة القاسية التي منيت بها ألمانيا في الحرب العالمية الأولى، فقد أصدر هتلر قانونا في العام 1935  يحرم أي يهودي من حق المواطنة إلالمانية إضافة لفصلهم من الأعمال الحكومية ومنعهم من العمل التجاري. وتحتّم على كل يهودي ارتداء نجمة صفراء على ملابسه .. وعلى إثر ذلك غادر 180,000 يهودي المانيا جرّاء هذه الإجراءات .. وقد بدأ أيضا عداء هتلر للماركسية اليهودية مبكرا .. إذ يقول في كتابه «كفاحي»: أن العقيدة اليهودية المعبر عنها في التعاليم الماركسية لا تعتبر مبدأ أرستقراطيا وتضع التفوق العددي محل القوة والمقدرة، وبالتالي تنكر قيمة الإنسان الفردية كما تنكر أهمية الكيان القومي والعنصري .. مجردة البشرية من العناصر التي لا بد من وجودها لاستمرارها وبقاء حضاراتها .. فإذا اعتمدت هذه العقيدة كأساس للحياة، فإنها ستقوض كل نظام وتعود بالجنس البشري إلى عهد الفوضى واختلاط العناصر مما سيؤدي إلى انقراض البشر، وإذا قدر لليهودي من خلال إيمانه الماركسي .. أن يتغلب على شعوب العالم فلن يبقى للبشر من أثر على سطح الأرض».

وشهدت فترة حكم الحزب النازي لألمانيا انتعاشاً اقتصادياً مقطوع النظير، وانتعشت الصناعة الألمانية انتعاشاً لم يترك مواطناً المانيا بلا عمل. وتم تحديث السكك الحديدية والشوارع وعشرات الجسور مما جعل شعبية الزعيم النازي هتلر ترتفع إلى السماء.

تحدّي هتلرالمعاهدات المبرمة بين ألمانيا والحلفاء بعد الحرب العالمية الأولى.. ففي مارس 1935 تنصّل هتلر من (معاهدة فيرساي) التي حسمت الحرب العالمية إلاولى وعمل على إحياء العمل بالتجنيد الإلزامي وكان يرمي إلى تشييد جيش قوي مسنود بطيران وبحرية يُعتد بها وفي نفس الوقت، ايجاد فرص عمل للشبيبة الألمانية. وعاود هتلر خرق اتفاقية فيرساي مرة اخرى عندما احتل المنطقة المنزوعة السلاح (ارض الراين) ولم يتحرك إلانجليز ولا الفرنسيون تجاه انتهاكات هتلر. ولعل الحرب الأهلية إلاسبانية كانت المحك للآلة العسكرية إلالمانية الحديثة عندما خرق هتلر اتفاقية فيرساي مراراً وتكراراً وقام بارسال قوات المانية لأسبانيا لمناصرة (فرانسيسكو فرانكو) الثائر على الحكومة إلاسبانية.

وفي 25 اكتوبر 1936، تحالف هتلر مع الفاشي موسوليني (ففي العام 1922، وصل بينيتو موسوليني وحزبه الفاشي الى دفّة الحكم في ايطاليا، وكان هنالك إتفاق بين كل من الحزب الفاشي بقيادة موسوليني و الحزب النازي بقيادة هتلر ببعض الأهداف الأيديولوجية، فشكّل الإثنان اتفاقية جمعت بلديهما وسمّيت الإتفاقية بالمحور) .. واتسع التحالف ليشمل اليابان، هنغاريا، رومانيا، وبلغاريا بما يعرف بحلفاء المحور.. وفي ما يتعلّق بالجانب الشرقي من العالم، فقد قامت الإمبراطورية اليابانية بغزو الصين في سبتمبر 1936. وبالرغم من معارضة الحكومة اليابانية للغزو، الا ان الجيش الإمبراطوري الياباني لم يعبأ بمعارضة حكومة بلاده و مضى قُدُماً في غزوه للصين.

وفي 5 نوفمبر 1937، عقد هتلر اجتماعاً سريّاً في مستشارية الرايخ وأفصح عن خطّته السرية في توسيع رقعة الأمة الألمانية الجغرافية. وقام هتلر بالضغط على النمسا للأتحاد معه وسار في شوارع فيينا بعد إلاتحاد كالطاووس مزهواً بالنصر .. وعقب فيينا، عمل هتلر على تصعيد الأمور بصدد مقاطعة (ساديتلاند) التشيكية والتي كان أهلها ينطقون بالألمانية ورضخ إلانجليز والفرنسيين لمطالبه لتجنب افتعال حرب. وبتخاذل إلانجليز والفرنسيين، استطاع هتلر ان يصل إلى العاصمة التشيكية براغ في 10/3/1939. وببلوغ السيل الألماني الزبى، قرر إلانجليز والفرنسيون تسجيل موقف بعدم التنازل عن الأراضي التي مُنحت لبولندا بموجب معاهدة فيرساي ولكن القوى الغربية فشلت في التحالف مع إلاتحاد السوفييتي وأختطف هتلر الخلاف الغربي السوفييتي وأبرم معاهدة (عدم اعتداء) بين المانيا وإلاتحاد السوفييتي مع ستالين في 23/8/1939 .. وفي 1 /9/1939 غزا هتلر بولندا. فأعلنت كلّ من بريطانيا و فرنسا الحرب على ألمانيا في الثالث من سبتمبر من نفس العام وبذلك بدأت الحرب العالمية الثانية...

ففي غضون اسبوعين من غزو هتلر لبولندا، قام الجيش الأحمر الروسي بغزو بولندا هو الآخر. وقبل ان يتسنّى للجيش البريطاني والفرنسي تشكيل هجوم لدحر الغزو الألماني لبولندا كانت القوات الألمانية قد انتهت من السيطرة على بولندا وانهاء مناوشات الجيش البولندي في غضون ثلاثة أسابيع. وتسمّى الفترة التي أعقبت غزو هتلر لبولندا (اكتوبر 1939) وحتى غزوه لبلجيكا، وهولندا، و لوكسيمبورج، وانتهاءا بغزو فرنسا (مايو 1940) بالحرب المزيفة لعدم مشاركة القوى العظمى في مسرح العمليات واقتصار المعارك في المسرح الأوروبي على القوات الألمانية وصغار الدول بالرّغم من إعلان الحرب على ألمانيا النازية من قِبل بريطانيا وفرنسا.

تحرّكت القوات الألمانية والروسية من بولندا واتّجه الجيش الأحمر ليركز بشكل أكثر على دول البلطيق وفنلندا حيث دارت الحرب الشتوية التي شدّت انتباه العالم لإنعدام الأعمال العسكرية في بولندا، بينما اتّجة الجيش الألماني جهة الدنمارك والنرويج وعزّزت القوات الفرنسية مواقعها على الحدود الفرنسية الألمانية، وباستثناء بعض المناوشات العسكرية بين القوات الفرنسية والألمانية، لم يكن هناك شيء يذكر لان كل من فرنسا والمانيا كانتا منهمكتين في حشد الجنود والعتاد في تلك الفترة.

وفي مايو 1940 استعملت القوات الألمانية تكتيكاً عسكرياً جديداً سمّي بـالحرب الخاطفة (Blitzkrieg) (وهي إستراتيجية حربية جديدة ابتدعها الألمان بحشد القوات الأرضية معزّزة بالدبابات والمعدات الثقيلة وبغطاء جوي من القاذفات يقوم على تمهيد الطريق أمام القوات البرية الغازية على خلاف حرب الخنادق التقليدية المتّبعة في الحرب العالمية الأولى) مما مكن القوات الألمانية من السيطرة على فرنسا وهزيمة الجيش الفرنسي والبريطاني. وتقهقر الجيش البريطاني الى مدينة (دنكيرك) الساحلية وترك أسلحته الثقيلة في الساحة الفرنسية فقامت حكومة (تشرشل) باستخدام السفن العسكرية بل وحتّى التجارية في إجلاء الجنود البريطانيين من الساحل الغربي لفرنسا. ولم يبق خيار للحكومة الفرنسية غير خيار الإستسلام للجيش الألماني مما مكّن الجيش الألماني من إحكام السيطرة على الشمال الفرنسي وتنصيب حكومة فرنسية موالية لألمانيا النازية في الشطر الجنوبي من فرنسا.

لم يتمكن سلاح الجو الألماني من هزيمة غريمه البريطاني فكان من الضروري قهر سلاح الجو البريطاني ليتسنّى للألمان غزو الإنجليز، فاتّبع الألمان سياسة تكثيف القصف بالقنابل على بريطانيا، أملاً في إخضاع الإنجليز، وباءت محاولات الألمان بالفشل.

بالرغم من إتفاقية عدم الإعتداء بين ألمانيا والإتحاد السوفييتي، الا ان ألمانيا قامت بغزو للإتحاد السوفييتي في يونيو 1941. فقد أخذ الألمان الروس على حين غرّة، وكسبت ألمانيا أراض روسية شاسعة وأسرت مئات الآلاف من الجنود الروس. وبعدما أفاق جوزيف ستالين مما ألمّ به، أخذ الروس في إعادة ترتيب أوراقهم خصوصا أن الروس استطاعوا الإحتفاظ بعتادهم العسكري الثقيل بعد رجوعهم الى الوراء نتيجة الغزو الألماني. إستمات الروس وقدّموا الغالي والنفيس في الذود عن العاصمة موسكو واستمر العناد الألماني حتى فصل الشتاء. ولم يكن في بال هتلر استمرار المقاومة الروسية حتى فصل الشتاء، إذ لم يتم تجهيز الجيش الألماني وتزويده بخطوط الإمداد لهذه الفترة. فمرّ فصل الشتاء على الجيش الألماني بقسوة نتيجة التخطيط السيء لغزو موسكو. وبحلول فصل الربيع، إحتار الألمان بين المضي قدما في إحتلال موسكو أم الإكتفاء بالسيطرة على حقول النفط القوقازية.

إختار الألمان السيطرة على حقول النفط القوقازية بدلا من إحتلال العاصمة موسكو (وهو ما سيشكل لاحقا عبئا ثقيلا على الألمان). وفي العام 1942 سحقت القوات السوفييتية قوات المحور الأمامية في الجنوب السوفييتي وقامت بتطويق الجيش الألماني السادس في معركة (ستالينجراد) الشهيرة في 13/2/1942م، واستسلم 300,000 جندي ألماني في نهاية الحصار .. كانت كارثة ستالينجراد نقطة التّحول في مسرح العمليات الحربية الأوروبية وبداية العدّ التنازلي لهيمنة (الرايخ الثالث) على اوروبا .. فبعد كارثة ستالينجراد، كانت من أهم معارك الجبهة الإفريقية معركة العلمين التي إنتصر فيها الحلفاء بقيادة (مونتجمري) في 24/10/1942م بعد معركة دبابات عنيفة دامت عشرة أيام. وتكبّد المحور كارثة تونس في مايو 1943م والتي هُزم بها المحور وتم أسر ربع مليون جندي ألماني وإيطالي. وبذلك إستعمل الحلفاء شمال أفريقيا كنقطة إنطلاق لقهر مارد المحور من الجنوب بعد إحكام القوات الروسية على الجبهة الشرقية.

سقطت إيطاليا بعد تحرّك الجيش البريطاني اليها من شمال أفريقيا وبعد مقاومة شرسة من الجيش الألماني في الأراضي الإيطالية في سبتمبر 1943. وأحكم الحلفاء قبضتهم على المارد الألماني ودول المحور ولم يتبقّ الا عُقر دار الرايخ الثالث في برلين، فقامت جحافل الجيش الأمريكي بالإنزال الشهير على شواطيء (نورماندي) في يونيو 1944 ونتج عن هذا الإنزال تحرير جُل فرنسا وبلجيكا، وهولندا، ولكسمبورغ في أواخر عام 1944. في هذه الأثناء، وصل الجيش الأحمر مشارف مدينة برلين من جهة الشرق، معقل الرايخ الثالث، واُسدل الستار على ألمانيا النازية بانتحار هتلر، ثم استسلام ألمانيا إستسلاماً غير مشروط في 7/5/1945م.

أما في مشرق الأرض فقد قامت القوات اليابانية بغزو الصين قبل اندلاع الحرب العالمية الثانية مما دفع الولايات المتحدة وحلفاؤها لفرض مقاطعة اقتصادية على اليابان، وعلى أثره قررت اليابان في ظل وزارة (توغو) بضرب ميناء (بيرل هاربر) في 7/12/ 1941 بلا سابق انذار وبدون اعلان للحرب على الولايات المتحدة .. تسبب الهجوم على ميناء بيرل هاربر بأضرار جسيمة للأسطول الأمريكي، الا ان حاملات الطائرات الأمريكية لم تُصب بأذى لكون الحاملات في عرض المحيط الهادي لأداء مهمّات لها. كما قامت القوات اليابانية بغزو جنوب آسيا تزامناً مع قصف بيرل هاربر وبالتحديد ماليزيا، واندونيسيا، والفلبين بمحاولة من اليابان للسيطرة على حقول النفط الاندونيسية. ووصف رئيس الوزراء البريطاني ونستون تشيرشل حادثة سقوط سنغافورة بأيدي القوات اليابانية بقوله(إنه من أكثر الهزائم مهانة على الإطلاق).

خبا لهيب الحرب العالمية الثانية في أوروبا بدحر وهزيمة المانيا النازية، الا ان جدول أعمال الولايات المتحدة وبعض من دول التحالف ومن ضمنها استراليا لم يزل مستمرا، إذ شرعوا في استرجاع الأراضي التي استولت عليها اليابان في منتصف العام 1942. فقامت الولايات المتحدة بقيادة الجنرال (دوجلاس مكارثر) بالهجوم ومحاولة استرجاع غينيا الجديدة، وجزر سليمان، وبريطانيا الجديدة، وايرلندا الجديدة، والفلبين. وتنامت الضغوط على اليابان بهجوم الولايات المتحدة على السفن التجارية اليابانية وحرمان اليابان من المواد الأولية اللازمة للمجهود الحربي، واشتدّت حدة الضغوط باحتلال الولايات المتحدة للجزر المتاخمة لليابان.

وبإستيلاء الحلفاء على جزيرتي (إيو جيما) و (أوكيناوا) اليابانية صارت اليابان في مرمى طائرات وسفن التحالف دون أدنى مشقّة. وإعلان الإتحاد السوفييتي الحرب على اليابان في بداية 1945 ومن ثمّة مهاجمة (منشوريا) .. وأخيرا قرر رئيس الولايات المتحدة إستعمال السلاح الجديد الذي ظلت تعمل بلاده عليه منذ العام 1941م حتى نجح وربحت به حرب المختبرات التي إنجرت إليها الدول المتحاربة وعلى رأسها ألمانيا المهزومة .. وهو (القنبلة الذرية) .. فقد أنذرت الولايات المتحدة اليابان بالإستسلام دون قيد أو شرط، ولما ابت أن تصغي ألقيت القنبلة الذرية الأولى على هيروشيما بتاريخ 6/8/1945م فدمرت كل المدينة في ثوان معدودة وراح 190 الف ياباني ضحية لهذا السلاح الفتاك الذي لم يعرف التاريخ له مثيل، ثم ألقيت القنبلة الذرية الثانية على ناجازاكي في 9/8/1945م لتدمر المدينة أيضا بالكامل، فاستسلمت اليابان في اليوم التالي ثم وقعت على هذا الإستسلام في 14/8/1945م ، واحتلت الجيوش الأمريكية بلادها جميعا.

فقد حوالي 70 مليون شخص حياته في الحرب العالمية الثانية، منهم حوالي 20 مليون جندي و50 مليون مدني (وتختلف التقديرات حول الرقم الصحيح). فقد خسر الحلفاء في الحرب العالمية الثانية حوالي 12.3 مليون عسكري (منهم 8 ملايين سوفييتي) .. وخسرت قوات المحور 7.2 مليون عسكري منهم 5 ملايين ألماني. وكانت خسائر السوفييت هي الأكبر في الأرواح، فخسرت ما مجموعه 28 مليون ضحية، منهم 20 مليون مدني. وتشير التقديرات أن الخسائر البشرية للحرب العالمية الثانية كانت موزعة بنسبة 84% للحلفاء و 16% لقوات المحور. وفي نهاية الحرب، كان هناك ملايين اللأجئين المشردين، وإنهيار تام للإقتصاد الأوروبي، ودمر 70% من البنية التحتية الصناعية في أوروبا.

طلب المنتصرون في الشرق أن تدفع لهم تعويضات من قبل الأمم التي هزمت، وفي معاهدة السلام في باريس عام 1947، دفعت الدول التي عادت الإتحاد السوفييتي وهي هنجاريا، فنلندا ورومانيا 300 مليون دولار أمريكي (بسعر الدولار لعام 1938) للإتحاد السوفييتي. وطلب من إيطاليا ان تدفع 360 مليون دولار تقاسمتها وبشكل رئيس اليونان ويوغوسلافيا والإتحاد السوفييتي.

وعلى عكس ما حدث بعد الحرب العالمية الأولى لم يطالب المنتصرون في المعسكر الغربي بتعويضات من الأمم المهزومة. بل تم تبني خطة تم إنشاؤها على يد سكرتير الدولة جورج مارشال، سميت (برنامج التعافي الأوروبي) والمشهور بخطة مارشال، وطلب من الكونجرس الأمريكي أن يوظف بليون دولار لإعادة إعمار أوروبا. وذلك كجزء من الجهود لإعادة بناء الرأسمالية العالمية ولإطلاق عملية البناء لفترة ما بعد الحرب، وطبق نظام بريتون وودز الإقتصادي بعد الحرب. وأدت الحرب أيضا لزيادة قوة الحركات الإنفصالية بين القوى الأوروبية والمستعمرات في أفريقيا وآسيا وأمريكا، وحصل معظمها على الإستقلال خلال العشرين عاما التي تلت الحرب.

وبما أن عصبة الأمم فشلت وبشكل واضح في منع الحرب، فإن نظام عالمي جديد تم بناؤه. وتم إنشاء منظمة الأمم المتحدة في العام 1945. وبالإضافة إلى ذلك ولمنع تكرار مثل هذه الحرب الشاملة مرة اخرى ولإنشاء سلام طويل الأمد في أوروبا، أنشئت جمعية الفحم والحديد الأوروبية خلال معاهدة باريس عام 1951م .. والتي قادت إلى إنشاء الإتحاد الأوروبي لاحقا.

يرى الكثير من المؤرخين أنه بنهاية الحرب العالمية الثانية تراجعت مكانة أوروبا بين القارات إلى المرتبة الثانية، وإنتهى دور بريطانيا كقوة عظمى في العالم، وبداية التحول لتكون الولايات المتحدة الأمريكية والإتحاد السوفييتي أكبر قوتين في العالم .. حيث كانت الإختلافات تتنامى بين هاتين القوتين قبل نهاية الحرب، وبإنهيار ألمانيا النازية تدنت العلاقات بينهما إلى الحضيض.

فقد تم إنشاء حكومات ديمقراطية في المناطق التي إحتلتها قوات الحلفاء الغربية، بينما إنشئت حكومات شيوعية في المناطق المحتلة من قبل القوات السوفييتية وصفت بأنها شكلية، ومن ضمنها أراضي حلفاء سابقون كبولندا ، واعتبر البعض وخاصة في تلك الدول الشرقية بأن ذلك خيانة من قبل قوات الحلفاء لهم. وكان الكثيرون في الغرب قد إنتقدوا ذلك معتبرين أن روزفلت وتشرتشل عاملوا ستالين وكأنه حليف ديمقراطي ولاموهم أيضا لتعاملهم مع ستالين في يالطا بذات الشكل من المهادنة التي عومل بها هتلر قبل الحرب، وبالتالي عدم تعلمهم من الخطأ السابق وتسليمهم شرق أوروبا للشيوعيين. وقد قال تشرتشل ذاته بعد بدء الحرب الباردة ما معناه (لقد قتلنا الخنزير الخطأ).

قُسّمت ألمانيا إلى أربعة مناطق محتلة، جُمعت الأمريكية والبريطانية والفرنسية لتشكل ما عرف بألمانيا الغربية، وعرفت المنطقة السوفييتية بألمانيا الشرقية. وتم فصل النمسا عن ألمانيا وقسمت هي الأخرى لأربعة مناطق محتلة، والتي عادت لتتحد لاحقا مكونة الدولة النمساوية الحالية. وكوريا أيضا تم تقسيمها على خط عرض 38 شمال.

وبالرغم من أن التقسيمات كانت غير رسمية إلا أنها كانت توضح مناطق التأثير، وساءت العلاقات بين المنتصرين بشكل مستمر لتصبح خطوط التقسيم أمرا واقعا وتمثل الحدود الدولية .. وبدأت الحرب الباردة .. وبسرعة أصبح العالم منقسما إلى حلفين .. حلف الناتو .. وحلف وارسو.

وحقيقة الأمر التي لا زيف فيها .. والتي غابت عن أذهان تشرشل وروزفلت وجنرالاتهم ومستشاريهم .. أنه لم يكن الفوهرر أدولف هتلر لينجح متسلحا بآراء  كارل ريتر (1779-1859)، أستاذ التاريخ والعلوم الجيوسياسية الذي جاء بنظرية معاكسة (للبيان الشيوعي) .. ووضع مخططا أعلن فيه أن باستطاعة العرق الآري أن يسيطر على أوربا، ثم على العالم أجمع وهو يقول (لكي يعود السلام وتعود الحرية الاقتصادية إلى العالم، يجب القضاء أولاً على الممولين اليهود) .. بينما نجح ستالين، (وهو ودولته البلشفية صنيعة العقل اليهودي)، بإظهاره التمرد على الممولين العالميين، حتى بدا مساندا لهتلر في اجتياح أوروبا، فحاول قادة الغرب حينها إقناعه بالتعايش السلمي، وإعطائه حكم العالم الشرقي بالشيوعية.

لقد فقدت الإمبراطورية التي لا تغيب عنها الشمس كل ما نهبته عبر قرون من المستعمرات (معها كل الدول الإستعمارية الأخرى)، ولم تكن مؤامرات اليهود على الدولة التي تأويهم خافية فقد قام عدد كبير من المثقفين الإنجليز بحملة واسعة لإقناع الحكومة بحقيقة المؤامرات التي يحيكها المرابون العالميون .. لقد تحولت قوة التمويل والأموال للولايات المتحدة التي مولت الحرب والتي لم تسقط عليها حتى ولو قذيفة واحدة، وجمعت الغلة بعد الحرب (حتى عبر مشاريع إعادة الإعمار) وإنتهى إليها مآل الحكومة الخفية التي أعدت خططها .. والتي إستشعرت قبل الآخرين الدور الجبار الذي يمكن أن يلعبه ذلك المارد العملاق الأعمى في مقبل الأيام.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق