الخميس، 8 مارس 2012

الفصل السادس


الفصل السادس

روسيا .. قلعة الأرثوذكس العتيقة

كانت الأرثوذكسية هي المذهب الشائع في روسيا مما باعدها عن أوروبا الكاثوليكية، وسكانها قبائل صقلبية سلافية(مسكوف) يرجع أصلها لشرق أوروبا، ومن الناحية الحضارية كان الروس خاضعين لتأثير الحضارات الآسيوية لكونهم قد خضعوا لحكم التتار لفترة طويلة منذ القرن الثالث عشر، ومن الناحية الجغرافية ظلت روسيا مطوقة بأمم قوية منعت عنهم كل إتصال بأوروبا ومن ثم البحر الأبيض المتوسط وحيويته. مما جعل منها أمة متخلفة لم تقتحم العصور الحديثة إلا في ظل عائلة رومانوف وبصورة خاصة تحت حكم بطرس الأكبر.

حكم بطرس الأكبر في الفترة (1689 – 1725) خلفا لأبيه القيصر الكسيس، وقد رسخ جذور الدولة الروسية القائمة على الأسس الثلاثة للدولة الحديثة: الجيش والأسطول والإدارة المدنية، وقد عمل على تحديث الصناعة وإستخدم الطرق الحديثة في الزراعة واهتم بالتجارة، وعمل على بناء الجسور وشق الطرق في جميع أنحاء البلاد. ومن أهم أعماله الإصلاحية إلغاء مجلس النبلاء والأعيان الذي يضم كبار الإقطاعيين وإستبداله بمجلس الشيوخ الذي يضم وزراء البلاط والوصول إلى عضويته تحكمه الكفاءة فقط ، لقد كان بطرس الأول بحق المؤسس لروسيا الحديثة التي توسعت فيما بعد على يد حكامها المتعاقبين.

وقد خلف بولس الأول والدته كاترين، وقد كان متعلما أديبا، وقد قال عنه جوزيف الثاني إمبراطور النمسا في رسالة لوالدته لما زار بطرسبورغ سنة 1780: (إن الدوق الأكبر يستحق الإهتمام أكثر مما يظن، فهو ذكي وحيي، ثقافته عالية ومستقيم وصريح، وسعادة رعاياه عنده أعظم من كل كنوز الدنيا). وقد كان أيضاً مسيحيًا مخلصًا، فقد قال عنه رابوبورت اليهودي في كتابه (Curs Of The Romanovs) : (إن المقربين من القيصر يعلمون كم من مرة خرج من حفلة رسمية فجأة ليصلي ويبكي).

وقد ألغى أمر التجنيد وعمل على إنضباط الجيش، وسحب جيوشه من بروسيا وترك جورجيا لقواتها المحلية، وحرر البولندين السجناء وأحسن إليهم، وسياسته عامة سياسة سلم.

وخطأ القيصر بولس الوحيد في نظر أمبراطورية الخفاء هو أنه قبل أن يكون سيدا أعظم للنظام الكاثوليكي لفرسان مالطا، وهو ما يعني أنه عمل نحو إعادة توحيد الكنيسة الشرقية الأرثوذكسية مع الكنيسة العالمية وبذلك يتوحد ثلثا مسيحيي العالم بمجرد قرار قيصري. وقد كان بولس قد توصل إلى تفاهم مع نابليون بشأن الأسرى الروس لديه وهو ما رفضته إنجلترا والنمسا حليفتيه، مما أوجد تفاهما بين بولس ونابليون، وكنتيجة لتوسل القيصر لديه، ترك نابليون غزو الصقليتين وأوقف حملة نيبلس، واحترم كرسي البابوية. إذا ماذا ينتظر القيصر بولس الأول من اليهود؟؟ لقد جر القيصر بولس غضب وتآمر اليهود عليه وعلى كل الرومانوفيون من بعده!!

فقد اغرى عملاء اليهود العداوة بين القيصر وإبنه الأسكندر الأول، وليحمي الإبن والدته من القتل كما صور له المتآمرون وليس عليه سوى القيام بانقلاب ابيض تؤول بموجبه الدولة إليه دون تعرض أبيه لأي أذى، فكانت مؤامرة العام 1801 والتي راح ضحيتها القيصر بولس الأول، لقد قتل القيصر لرغبته في القيام بالمهمة المستحيلة، وهي توحيد الكنيستين، وقد قال نابليون الإمبراطور حينها :(سيبقي للتاريخ أن يكشف سر هذا الموت المأساوي، وليعلم أية سياسة قومية ترغب في كارثة كهذه).

خلف الأب المقتول إبنه الأسكندر الأول وعذابات دواخله تطارده، فقد أوهمه الماسونيون أن عملهم سيكون عزلاً لوالده من السلطة دون أن يلحقه أذى. وقد كان الإسكندر الأول جمهوريًا معجبًا بنابليون في دواخله تدفعه تحرريته برغم قيصيريته (إن صح التعبير) ، وقد شارك في إرساء السلام في مؤتمر فيينا في العام 1814 بقوة وعزيمة صلبة، وقد منحته جامعة أوكسفورد دكتوراه القانون حين زار إنجلترا في نفس العام.

لكن تجاهل الإمبراطوران العظيمان لحقيقة الحكومة الخفية هو ما جر الحرب الروسية الفرنسية في العام 1812، فالظروف الحقيقية لتلك الحرب حيرت المؤرخين وظلت غامضة حتى على الإمبراطورين العظيمين، إذ يقول الإسكندر :(شن نابليون علي حربا بطريقة قبيحة، وخدعني بأسلوب غادر). في حين يقول نابليون (لم أرد أن أحارب روسيا، أقنعني باسانو وشامبيني((وزيرالشئون الخارجية الفرنسية)) بأن المذكرة الروسية تعني إعلان حرب، مما جعلني أعتقد أن روسيا تريد الحرب حقا)، ويقول القائد جورجو (ما هي الدوافع الحقيقية للحملة الروسية؟؟ إنني لا أعرف! ومن الممكن أن الإمبراطور نفسه لم يكن يعرف أكثر مما كنت أعرف).

خرج القيصر منتصرا من الحرب، لكنه خرج أيضا أكثر إيمانا بنصرة السماء، لذلك قال: (على حكام أوروبا ألا يضعوا ثقتهم في قوة جيوشهم، بل في متانة إيمانهم ودينهم). وهكذا توصل القيصر إلى إتفاق إلتزم بموجبه حكام أوروبا بأن يحكموا رعاياهم بوحي روح المسيحية، وأن توجههم مباديء العدالة والمحبة والسلام. فكان توقيع إتفاق 26/7/1815 مع فريدريك وليم الثالث ملك بروسيا، وفرانسيس الأول إمبراطور النمسا، وهو ما عرف بالحلف المقدس. وقد حاول اليهود وعملائهم جاهدين على تصويرهذا الحلف بغير حقيقته، وأنه تنظيم رجعي ألبس ثوبا مسيحيا. وفي حديث للإسكندر الأول مع الدكتور إيلين، مطران بروسيا أوضح القيصر أصل الحلف فقال : ( بعد هزائم لوتزين ودريزدين وبوتزين إضطررنا (هو وملك بروسيا) للتراجع، وأصبحنا مقتنعين بأنه لولا مساعدة السماء لضاعت ألمانيا. فقال الملك(( ينبغي أن نصلي وسننتصر بمعونة الرب، وإذا بارك الرب جهودنا المشتركة، وأنا على ثقة من أنه سيفعل، فسنعلن للعالم قناعتنا الكاملة بأن النصر من عنده وحده)) .. فجاءت الإنتصارات وشاركنا الإمبراطور فرانسيس إمبراطور النمسا مشاعرنا المسيحية وأصبح ثالثنا في الحلف، فالحلف المقدس ليس من عملنا نحن، وإنما هو من عمل الرب. وقد حث المسيح نفسه عليه). (Curse Of The Romanovs) By Rappoport, p. 358  .

وقد عبر الإسكندر الأول عن إحترام متساو للكاثوليكية والأرثوذكسية مقتنعا بأن مبادئهما الأساسية واحدة، وما بقيت الكنيسة منقسمة إلا نتيجة جهود عملاء الشيطان. غير أن الروتشلديون أصبحوا الآن أكثر ضراوة وقسوة، فقد إستأجروا مجموعة كبيرة من المتهودين وأمروهم بتحويل روسيا إلى بلاد جديدة لليهود، فانتشر المذهب المتهود بسرعة كبيرة في روسيا داعيا للرجوع إلى العهد القديم وإيمان الآباء اليهود، فقابلته السلطات بقرار مجلس الوزراء لسنة 1823 التالي نصه :(يجب إدخال رؤساء المذهب المتهود ومعلميه في الخدمة العسكرية، ومن لا يصلح للخدمة يرسل إلى سيبيريا. وينبغي طرد كل اليهود من المقاطعات التي ظهرت فيها الحركة). وقد كانت الإجراءات غير ذات بال بالنسبة لليهود لقلة عدد اليهود الذين طالهم القرار. غير ان هذا القرار صوره الروتشلديون كأنه إضطهاد حقيقي لليهود، فقرروا التحضير للثورة وإغتيال القيصر. وبالفعل تم تسميم القيصر بطعام تناوله في كنيس يهودي بسم الأكواتوفانا الرهيب. وقد مات في 1/12/1825م تحت تأثير السم القاتل. قتل القيصر الإسكندر الأول بنفس جريرة أبيه من قبل ألا وهي مشاعرهم المسيحية الصادقة، وكونهم في سدة السلطة التي تخولهم توحيد الكنيسة الأرثوذكسية مع الكنيسة الأم بروما. قتلت المحافل الماسونية ذلك القيصر ثم زيفت التاريخ بإشاعة أنه ذهب إلى سيبيريا ليعيش تحت إسم جديد هو فيودور كوسميش، وقد فعلوا ذلك خوفا من ثورة الشعب عليهم إذا علم حقيقة فعلتهم الشنيعة.

خلفه نقولا الأول والذي وصفه السفير الفرنسي الكونت لا فيروناي (يجمع الإمبراطور أكمل فضائل الفروسية، وهو أكثر الملوك سماحة خلق وعقل، ومشاعره حية بجانب تمتعه بحيوية غير عادية). ووصفه سفير إنجلترا اللورد لوفتوس (لا أحد ينكرأن تأثير نقولا الأول في الشئون الأوروبية كان أخلاقيا ودينيا، ومعارضا لكل شيء لا أخلاقي أو غير فاضل)، وقد كان لإعلانه الحازم (سأحارب من يعلن الحرب أولا) وقع سيء على حكومة الخفاء وعلى رأسها الروتشلديين المتعطشين لسفك دماء مسيحية بشن حروب جديدة.

كانت حكومة الخفاء تتحرك وقد أرعبها التقارب الإنجليزي الروسي، ولم تستطع رشوة الملكة اليزابيث الكارهة لأعداء المسيح، فكان لا بد من ضرب الخصم بالخصم وتحت شعار (روسيا العظيمة خطر على بريطانيا العظمى).

لقد أعد المسرح من قبل الحكومة الخفية لمشاهدة أكثر الحروب دموية، فانتخب بسمارك نائبا بفرانكفورت في 1851، ونصب نابليون الثالث (صنعة ناثان) إمبراطورا بفرنسا في 1852، وأصبح ديزرائيلي وزيرا للمالية بإنجلترا في 1852م. فكانت أولاها حرب القرم التي لم تعد بفائدة مطلقا على الأمم التي أراقت دمائها، بينما كان الرابح هم الروتشلديون الذين جنوا أموالا طائلة من وراء الحرب.

وحرب القرم هي حرب قامت بين روسيا والسلطنة العثمانية في 28مارس 1853م ، واستمرت حتى العام 1856م. وقد كان السبب الظاهر للحرب، هو النزاع بين رهبان من الروم ورهبان من اللاتين حول حمل مفاتيح كنيسة بيت لحم، وحقهم في نجم فضي وضع حيث ولد السيد المسيح. وقد كانت روسيا قد اعتبرت نفسها الوريثة الشرعية للكنيسة الأرثوذكسية الكبرى في القسطنطينية، و أخذت تمد نفوذها إلى القدس و الأراضي المقدسة، وأكثرت من العطايا للبطريركية الأرثوذكسية للروم في القدس.

دخلت بريطانيا وفرنسا الحرب إلى جانب الدولة العثمانية التي كان قد أصابها الضعف، ثم لحقتها مملكة سردينيا التي أصبحت فيما بعد في العام 1861م مملكة إيطاليا، وكان من أسباب الحرب أيضاً الأطماع الإقليمية لروسيا على حساب الدولة العثمانية وخاصة في شبه جزيرة القرم، والتي كانت مسرح المعارك والمواجهات. وقد أعلنت فرنسا وبريطانيا الحرب على روسيا في (27مارس1854م)، ونشبت معارك ضخمة في عدة جبهات أثناء حرب القرم، إلا أن أهم هذه المعارك كانت معركة سيفاستوبول التي خاضتها الدول الثلاث للقضاء على القوة البحرية الروسية في البحر الأسود، حيث كانت القاعدة البحرية لروسيا في شبه جزيرة القرم (حاليا في أوكرانيا) . وقد إستمرت المعركة قرابة العام، قُتل خلالها حوالي 35 ألف قتيل، وعدد من القواد الكبار من كلا الجانبين، حتى انتهى الأمر بسيطرة الدول الثلاث على الميناء في ( 9 مايو 1855م).

في تلك الأثناء، وتحديدا في 2/3/1855م مات القيصر نقولا الأول مسموما على يد طبيبه ماندت الذي رشته حكومة الظلام، وخلفه في الحكم ابنه ألكسندر الثاني والذي أيضا وصفه الكونت دي مورني لنابليون الثالث: (ما علمته عنه في معاملته لأسرته، وفي علاقاته مع أصدقائه، أنه يتمتع بعقل راجح وروح فارس ، فهو لا يعرف الخبث ولا يجرح المشاعر ويحترم الكلمة التي يقولها. كريم جدا ويستحيل على المرء ألا يحبه، فالشعب يحبه ويتنفس في عهده بحرية تامة). وقد شعر القيصر الاسكندر الثاني بعدم قدرة بلاده على مواصلة الحرب، فقرر التفاوض للسلام، وبذلك انتهت حرب القرم في 30 مارس 1856م بتوقيع إتفاقية باريس, وبهزيمة الروس هزيمة فادحة.

وقد تضمنت هذه الإتفاقية عدة نقاط مهمة، منها: حرية الملاحة في نهر الدانوب، وتشكيل لجنة دولية للإشراف على ذلك، وإعلان حياد البحر الأسود، وكانت هذه المادة كارثة بالنسبة لروسيا؛ حيث أجبر هذا النص روسيا على سحب سفنها الحربية من هذا البحر ونقلها إلى بحر البلطيق، وبالتالي أصبح البحر الأسود بحيرة عثمانية من الناحية الفعلية وليس القانونية.

   لم يستوعب نيقولا الأول حقيقة أن تقف دولة مسيحية مثل بريطانيا مع المسلمين العثمانيين ضد روسيا المسيحية، وكان تقديره للموقف أنه سيقاتل الدولة العثمانية بمفردها، وأنه سيحقق انتصارا سهلا عليها، يمكنه من انتزاع ولو بعضا من المكاسب كالتي حققتها روسيا في معاهدة   "أونكيار سكلسي"  التي وقعتها روسيا مع الدولة العثمانية في 8/7/ 1833م، ونصت على إغلاق المضايق التركية أمام جميع السفن الحربية، بينما سمحت للأسطول الروسي بدخول مضيق البوسفور للدفاع عن الأستانة، وبذا تحررت روسيا من كثير من التهديدات البريطانية والفرنسية في البحر الأسود.

وحقيقة لم يكن هدف المتحالفين نصرة دولة الخلافة بتركيا (التي خرجت من الحرب مهزومة ومثقلة بالديون التي إستدانتها لتمويل الحرب)، بقدر ما كان منع روسيا من الوصول إلى مياه البحر الأبيض المتوسط الدافئة، فروسيا العظيمة كانت بمثابة الخطر العظيم الذي صورته حكومة العالم الخفية لقادة أوروبا. وقد رأت فرنسا وبريطانيا في هذه الحروب الطويلة والعنيفة بين الجانبين تحقيقا لمصالحهما، من حيث إضعاف روسيا وردعها عن التدخل الفاعل والنشط في السياسة الأوربية، وإبعادها عن المنافسة في المجال الاستعماري، وكذلك إضعاف الدولة العثمانية التي تتمدد أملاكها في ثلاث قارات، تمهيدا لتقسيمها بطريقة لا تؤثر على التوازن في السياسة الدولية.

إستطاعت حكومة العالم الخفية ومنذ معاهدة باريس، بفكيها الفولاذيين (فرنسا روتشيلد الثالث (جيمز أمشيل)، وبريطانيا ليونيل روتشيلد وديزرائيلي)، من خلق توازن جديد على الساحة الدولية بين الدول الكبرى، فقد كانت الإتفاقية مدخلا مهما لتطوير القانون الدولي، حيث كانت بداية الفصل بين العقائد الدينية والعلاقات الخارجية، وانتقلت بذلك من الحيز الأوروبي إلى إشراك الدولة العثمانية في هذا القانون الدولي، هذا القانون الذي لم يمنعهم من إراقة دماء غزيرة في ما عرف بالحرب العالمية الأولى. ومنذ ذلك التاريخ يبدأ تخطيط اليهود للزحف الفعلي نحو الشرق لبناء دولتهم الدينية دولة الخراب في فلسطن المحتلة ، نواة دولتهم الكبرى التي يخططون لإقامتها من النيل إلى الفرات بعد أن هدموا دول ممالك وإمبراطوريات مسيحية قامت على أساس ديني

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق