الخميس، 8 مارس 2012

الفصل الرابع


الفصل الرابع

إيطاليا وألمانيا الوليدة ليستا بمنأى

لم تكن إيطاليا بمنأى عما يخططه الروتشلديون، فإيطاليا المفككة منذ العصور الوسطى ومعقل البابوية قد ظلت هدفا مباشرا لحكومة العالم الخفية. وقد كانت إيطاليا في أواخر القرن الثامن عشر موزعة تحت سيطرة دويلات متعددة، فجزء منها تحت السيطرة المباشرة للإمبراطورية الرومانية المقدسة (كدوقية ميلان الغنية)، ودويلات أخرى صغيرة مثل جمهورية البندقية، وجمهورية جنوة، ودوقيات بارما وتسكانا المرتبطة بالنمسا سياسيا أو أسريا، وفي الجنوب مملكة نابولي التي يحكمها فرع من أسرة البوربون الحاكمة سابقا بفرنسا، وبشمال إيطاليا كانت هناك مملكة ساردينيا الصغيرة.

غزا نابليون القائد الأعلى للقوات الفرنسية حينها إيطاليا في العام 1796م، وهنالك أنشئت جمهوريات تدور في فلك فرنسا. فرح أمشيل روتشيلد وإمبراطورية الخفاء بإنتصارات نابليون في إيطاليا، كيف لا يفرح وهو يرى أن أحلام شياطينه تتحقق بإذلال البابا!! كيف لا يفرح وهو يرى البابا بيوس السادس يقتاد سجينا من روما إلى فرنسا!! وبعد إتفاقية تولنتينو في فبراير 1797 مرض البابا بيوس السادس مرضا شديدا ( وكان في الثمانين من عمره)، فبأمر من حكومة الشيطان تم منع إرسال البابا إلى المستشفى ليواجه قدره المحتوم بكل إيمان. وأمر نابليون الذي كان في غمرة سكرته وإنخراطه في الدوائر الماسونية آنذاك، بعدم إجراء إنتخابات لتعيين خليفة للبابا، ولم يكتف بذلك بل أمر بإلغاء الحكومة البابوية. إلا أنه بعد ثمانية أشهر وبحماية الإمبراطور الروسي تم إنتخاب البابا بيوس السابع في البندقية التي ظلت تحت سيطرة الإمبراطورية الرومانية المقدسة (النمسا).

وطد نابليون مكانته في إيطاليا بعد ما بدأ يتصرف بوعي تجاه الشعوب التي يحكمها ومعاملتعم كأبنائه، وبإدراكه لدور العملاء اليهود في إمبراطوريته، وأهمية الدور المنوط بالكنيسة الكاثوليكية، فكانت الإتفاقية البابوية (Concordat 1801) والتي مهدت للبابا إعتلاء عرش البابوية وأعيدت الكاثوليكية دينا لفرنسا. فنابليون الذي إستولى على نابلي سنة 1803 وأعلن إيطاليا ملكية، هو من مهد للوحدة الإيطالية في المستقبل، فلأول مرة منذ زمن بعيد تكون إيطاليا تحت حكم واحد. وهو ما لم يرده اليهود ومحافلهم أبدا.

حقق نابليون بذلك حلما كان يراود الإيطاليين، ولكن الروتشيلديون لم تكن إيطاليا موحدة من ضمن مخططاتهم، ولم يكن نابليون المسيحي الصالح هو من رغبوا بتنصيبه لتنفيذ رغبات الشيطان في دواخلهم، فما لبث أن سحق، غير أن الحلم الذي غرس في نفوس الإيطاليين لم يمت بسقوط الإمبراطورية الفرنسية وإنسحاب الفرنسيين، فكانت محاولة مورا حاكم نابلي (1814-1815) فما لبث أن أعدم جزاء تطلعاته النيرة. وبدأت الحركة التي لعبت فيها الثقافة دورا لا يقل عن الدور العسكري والدور الإقتصادي في التمهيد للوحدة الإيطالية، وقد بذل المؤرخون الإيطاليون جهودا كبيرة لتفسير أسباب تفكك إيطاليا، مؤكدين لقيمة إيطاليا المتحدة ودورها في التاريخ الحديث، ولكن الحركات الماسونية بقيادة كارل روتشيلد كانت قد نشطت لدرجة جعلت المحفل الإيطالي قائدا لكل الجمعيات السرية والمحافل الماسونية، وكما يقول جورج ف. ديلون:(إن التوجيه الأعلى لكل الجمعيات السرية العالمية كانت تمارسه الألتا فينديتا (Alta Vendita) أي السوق العالي، أو أعلى محفل للكاربوناري الإيطالية التي كانت توجه جميع النشاطات السرية للفترة من 1814 إلى 1848).

ظهر فلاسفة ومفكرين صاغوا أحلام الإيطاليين في الوحدة، والذين كانوا مخترقين من قبل الحركات الماسونية، وكان من بين أولئك ماتزيني الذي كان إيطاليا وطنيا، وفيلسوفا يؤمن بوحدة الجنس البشري، وقيمة التعاون بين الأفراد والشعوب، وقد كانت له إنتقادات لاذعة لكل من الحكم البابوي والإمبراطورية الرومانية المقدسة اللتان حملهما كل أوزار إيطاليا (ولكن يا ترى من الجلاد ومن الضحية؟؟ فالعنصر الوحيد المشترك لوحدة كل أوروبا عبر القرون هو مسيحيتها). ومرة أخرى تلعب اليد الخفية دورها في صياغة أحلام الشعوب والتطفل حتى على مفكريها، فاليهود كالجراثيم لا تتغذى على بعضها وإنما من أجسام الآخرين، فكان إرنستو ناثان المقرب من ماتزيني ، وناشر أعماله، ومدير صحيفة شعب روما التي أسسها ماتزيني، ومحافظ روما فيما بعد بالرغم من التقاليد في تعيين المحافظ من الأسر الرومانية العريقة التي هي منه براء، لقد كان إرنستو يهوديا خالصاوماسونيا عتيدا رقي إلى صدر أعظم ثم أصبح صدرا أعظم ممتازا. وقد قالت نستا وبستر (Nesta Webester) في كتابها (World Revolutions) - (كان ماتزيني يدعو للمسيحية والوطنية على الرغم من أنه إلتحق بالكاربوناري حيث تنبهت إليه الألتافينديتا التي تؤمن بأن العقل لا الجسم يجب أن يكون هدف الهجوم).

ويقول إرنستو ناثان في خطاب يؤكد فيه خطة الجحيم (The Plan Of Hell) (إن الجماهير التي تحررت من وهم المسيحية ومفهومها للإله لم تحدد معتقدها بعد، إنها متعطشة لمثل أعلى، ولكن لا تعرف من تعبد، وستستجيب للنور الحق، للتجلي العالمي للعقيدة اللوسفرينية، وهذا التجلي سيظهر من ردة الفعل العامة التي ستتبع نهاية الإلحاد والمسيحية، اللذان سيزولان ويقضى عليهما في وقت واحد). واللوسفرينية (luciferian) هي عقيدة شيطانية يعتنقها الآن الكثيرون في الغرب وروسيا واليابان. أنظر كتاب (The Devil Of The

Nineteen Century)

كانت اليد الخفية دائما تتدخل لتحقيق مآرب الحكومة الخفية، ولتحويل رغبات وآمال وطموحات العالم ومفكريه إلى كوارث تصب في مصلحتها، فليس هنالك من فرد وطني أو مفكر ليس بهدف، وقد كتب ماليغاري إلى الدكتور بريد نستين (نحن تنظيم من الأخوان في كل أنحاء العالم، رغائبنا ومصالحنا مشتركة، ونهدف إلى تحرير الإنسانية، ودحر الإستبداد، لكن هنالك شيء بالكاد نشعر به مع إنه يثقل كاهلنا، من أين يأتي؟؟ أين هو؟؟ لا أحد يعلم أو على الأقل لا أحد يخبرنا!! فالتنظيم سري حتى بالنسبة إلينا نحن العريقين في الجمعيات السرية).

أما بالنسبة لألمانيا معقل الروتشلدية الأول!! كيف يهمل دورها وهي نقطة الإنطلاق الأولى نحو تدمير العالم خصوصا بعد تدمير نابليون وإمبراطوريته عندما حاد عن خط إمبراطورية الشيطان. ومدينة فرانكفورت عند اليهود كانت بمثابة مكة عند المسلمين.

لم تكن وقتها ألمانيا أقل تفككا من إيطاليا، فقد ظهر فيها الإتحاد الألماني سنة 1815، والدعوة إلى ألمانيا المتحدة لا زالت وليدة، وكان الصراع على النفوذ في الدويلات الألمانية الصغيرة بين النمسا بقيادة ميترنخ القابضة على القرار في الدايت الألماني من ناحية، تساندها دول الحلف المقدس (روسيا وبروسيا) التي كونت جبهة ثلاثية ضد الحركات التحررية في العام 1833م، وبريطانيا وفرنسا من ناحية أخرى، ولم يكن الصراع على ألمانيا إيديولجيا بقدر ما كانت تدفعه المصالح الإقتصادية والسياسية. لكن التطورات على الأرض لم تكن لتخدم مصالح الحلف المقدس ولا مصالح بريطانيا وفرنسا، فقد شكل إنشاء الزولفرين (الإتحاد الجمركي) نقطة تحول خطيرة في تاريخ الوحدة الألمانية ، بزعامة بروسيا، وبعد أن أدخلت عليه تعديلات أدت إلى إتساعه بانضمام بافاريا وسكسونيا في العام 1834م. وفي 21/3/1848 أعلن فريدريك وليم الرابع إندماج بروسيا في ألمانيا. ونشطت الخطوات التنفيذية لوحدة ألمانيا وذلك بانعقاد برلمان تمهيدي في باريس (1848) ليحل محل الدايت الألماني الموالي للنمسا. وأخيرا وافق برلمان فرنكفورت على إقصاء النمسا من الاتحاد الالماني المقبل، وأقدم على عرض تاج هذا الإتحاد على فريدريك وليم الرابع ملك بروسيا تأكيدا للوحدة الألمانية وكسب بروسيا كقوة قادرة على الدفاع عن الإتحاد. غير أن فريدريك وليم رفض العرش لسببين: الأول: أنه كان مسيحيا مخلصا ويؤمن بالحق الإلهي ، وأنه بذلك يتجاوز الأمراء الذين لهم الحق في الإنتخاب. والثاني: لم يرد فريدريك في الدخول في مواجهة مع الإمبراطورية الرومانية المقدسة (النمسا) أو حتى روسيا، لما بينهم من أحلاف كانت تأخذ الطابع الديني حتى في مسمياتها. وبذلك سحق برلمان فرانكفورت والدستور الذي أصدره.

فكان الحل البديل من قبل فريدريك وليم الرابع قيام مؤتمر من الأمراء يتولى وضع دستور للإمبراطورية الألمانية في يونيو 1849، غير أن اليد الخفية تدخلت لزعزعة الوفاق بين الأمراء وتقسمت ألمانيا إلى قسمين، خصوصا ما حدث من ثورة بأمارة هسي Hess-Cassel معقل الروتشيلديين، والغريب في الأمر أن النمسا المسيحية التي قررت أن تنفرد باليد العليا في الإتحاد الألماني القديم وقفت إلى جانب الأمير العميل الروتشيلدي المستبد، بينما وقفت بروسيا إلى جانب رعايا الأمارة، ولكن كانت الغلبة للنمسا بقيادة شفرتيزنبرج وإنتصارا لكبرياء حكومة العالم الخفية الجريح ببرلمان فرانكفورت ولكل محافلها المنتشرة في أوروبا. وإنتهت المواجهة بقبول شروط ما عرف بإذلال المتز في نوفمبر 1850م. إصطدمت طموحات حكومة العالم الخفية في إستغلال فردريك وليم لتنفيذ رغباتها الدنيئة في ألمانيا كما فعلت بنابليون، بنزاهة الأخير ومبادئه السامية وأخلاقه الرفيعة، فقررت أن تتخلص منه وبأكثر الطرق إذلالا. لقد فقد هذا الملك مكانته العادلة في التاريخ بسبب الشروط المشينة لاتفاق المتز المذل. لقد أراد اليهود إهانة هذا الملك المخلص وجرحه بصورة أبلغ من جرح روبسبير في فرنسا، كيف لا وقد رفض حصان طروادة الذي كانوا سيدخلون عليه به، وبذلك أيضا عملوا على إخلاء الساحة لتقديم سفاح آخر قبح وجه بروسيا المشرق وهو المستشار أوتو بسمارك (Otto Bismark) .

ولد أوتو وليم بسمارك لأسرة بسيطة مكونة من أب ألماني برجوازي وأم يهودية مغمورة الأصل تدعى لويزا مينيكن، ولم يكن لهذه الأسرة لتذكر في التاريخ لولا علاقة المارشال سولت (اليهودي الملعون الخائن، عضو المحفل الأعظم لخدماته الجليلة في تحطيم الإمبراطورية الفرنسية، والذي أصبح عضوا بمجلس الوزراء الفرنسي) بوالدة أوتو بسمارك، فقد كانت عشيقته لدرجة أن البعض رجح أبوته االفعلية لبسمارك.

على أية حال قررت المحافل الماسونية تقديم بسمارك لتنفيذ مخططاتها الشيطانية القادمة، ولما كانت لبسمارك نزعات ثورية طلب منه جيمز روتشيلد أن يلعب لعبة (المحافظة) حتى يتسلل إلى المجتمع الراقي ويقبض على السلطة، وتزوج الوزير البروسي اليهودي الأصل وعضو الرايخستاج أوسكار أرنيم من أخت بسمارك (مالفينا)، وبمباركة الشياطين الروتشلدية التي كانت تعد العدة لسفك دماء جديدة في أوروبا الجريحة.

دبرت حكومة العالم الخفية إستدعاء بسمارك من سفارة باريس إلى برلين عن طريق فون رون وزير الحربية آنذاك لتولى زمام الأمور في وجه المعارضة البرلمانية لاعداد الجيش البروسي لمهمة القتل والتدمير القادمة، متخطيا المعارضة الدستورية ومقاومة المثقفين الألمان. فكان أن أسند فون رون الحكم لبسمارك في سنة 1862م .

ولا ننسى هنا أن الإمبراطورية الرومانية المقدسة والتي كانت هدفا لإمبراطورية أكبر منها .. بل إمبراطورية الشيطان .. لم يكن يقدر لها أن تستمر في التدخل في الشأن الألماني والتدخل لحماية الملكية المسيحية هنا وهناك، وإنما يجب أن تصبح اثرا بعد عين في الأحداث القادمة. كانت خطط الروتشلديون زوال الإمبراطورية الرومانية المقدسة من على الخارطة هدف لا يقاوم، فكان لا بد من الإستفراد بها دون معاضدة من دولة أخرى لها في المعركة (وبقراءة سريعة يمكن أن نكتشف أن روسيا هي الدولة الوحيدة المرشحة لمساندة الإمبراطورية الرومانية المقدسة) ، فكانت السانحة بتحييد روسيا عن طريق توقيع إتفاقية التنسلبين في 22/1/1863، ورفض بسمارك التعاون مع النمسا وفرنسا ضد روسيا من أجل بولندا، تلا ذلك التفاهم الروسي البروسي لأجل منع ملك الدنمارك من ضم دوقيتي هولتشين وشلزويج في دولته ( ضمتا لألمانيا عام 1864).

أضحت بروسيا المحافظة على يد فرديريك وليم الرابع، عنيفة ودموية ومهاجمة على يد المستشار الحديدي بسمارك، وذلك برغم مقاومة القيم العسكرية البروسية الشديدة للحروب ومعارضة المثقفين الألمان والمعارضة الدستورية.

كانت كل الظروف تخدم رغبة الحكومة الخفية في تدمير الإمبراطورية الرومانية المقدسة، خصوصا بعد الحروب المرهقة التي خاضتها النمسا وتضعضع إقتصادها، والقوة البروسية الصاعدة نتيجة الإتحاد والمكاسب الإقتصادية الكبيرة التي تحققت، والتقدم العسكري الكبير الذي أحرزته ، وحياد جميع دول أوروبا في حرب لم ترتسم لها مزايا أو مصالح في خوضها، بينما كان هنالك الإتفاق الفرنسي البروسي في أكتوبر 1865، ومعاهدة الحلف البروسي الإيطالي في أبريل 1866م، فكانت الهزيمة الماحقة المزلزلة للإمبراطورية الرومانية المقدسة، والانتصار البروسي السريع الكبير في سنة 1866م.

تنبهت فرنسا فجأة على وجود المارد البروسي العملاق بجانبها، وليس هنالك أبلغ مما قاله وزير الحربية الفرنسي حينها (إن فرنسا هي التي هزمت في سادوا)، ووصف السياسي الفرنسي الكبير تييري (Thiere) : (إنما حدث أعظم كارثة منيت بها فرنسا خلال أربعمائة عام). ولم يكن بسمارك على عجلة من أمره في التعامل مع الملف الفرنسي، فهو لا زال يبحث عن وضع دولي مواتي، ويريد ضمان حياد روسيا وللمرة الثانية ، ويبحث في إمكانية تطويق فرنسا كما فعل مع النمسا.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق