الخميس، 8 مارس 2012

الفصل الثامن


الفصل الثامن

الأزمات التي أدت إلى نشوب الحرب العالمية الأولى

أساء نابليون الثالث لفرنسا ولنفسه حين حاول عقد إتفاقات مع بسمارك يحصل بموجبها على مكاسب على حساب بافاريا زعيمة الألمان الجنوبيين وصديقة فرنسا. فبدت فرنسا بالنسبة لبافاريا ودويلات الجنوب الألماني كدولة خائنة، خصوصا بعد أن سرب بسمارك مطالب نابليون الثالث للصحافة وعدم تلبية بروسيا لتلك المطالب.. فتطلع نابليون الثالث لبلجيكا غير أن بسمارك كان زاهدا في أي تفاهم مع فرنسا فبالنسبة إليه كانت إعدادات الحرب قد إكتملت.

كان نابليون الثالث زعيم الحركة القومية في أوروبا يعاني من تناقض حاد في رؤيته للوحدة الألمانية الناشئة بقوة بقيادة بروسيا، تلك الوحدة التي ستضعف مكانة فرنسا جارتها والتي ظلت تلعب دورا محوريا في أوروبا على مدى قرون، غير أنه لا يستطيع المجازفة بحرب كبيرة ضد بروسيا. إلا أنه قام بخطوات تعد فرنسا للحرب، فقام بتعديلات دستورية جاءت بحكومة اميل أوليفيية (Email Olivier) ووزير خارجيتها الدوق دي جرامون (Gramont) والذي كان معروفا بميوله نحو النمسا جريحة بسمارك أخيرا. وفي نفس الوقت حدثت تأزمات شديدة بين بروسيا وفرنسا بخصوص العرش الأسباني بعد خلوه إثر ثورة قام بها الجيش والأسطول الإسباني ضد إيزابيلا الماجنة في 3/9/1868م، فبسمارك الذي يرى في تنصيب ليوبولد ملكا لعرش إسبانيا والذي يمت بصلة القرابة لغليوم ملك بروسيا بمثابة وضع فرنسا بين شقي الرحى، وبالتالي إستقلال هزيمة فرنسا المتجاذبة في جبهتين بما يمهد لتحقيق وحدة ألمانيا، في حين كان يرى نابليون الثالث أن تنصيب ليوبولد بمثابة تهديد مباشر لفرنسا ولعرشه فهدد بالحرب.. لكن الملك غليوم وبإتفاق مع ليوبولد أعلن سحب ترشيح الأمير ليوبولد للعرش برغم معارضة بسمارك فنزع فتيل الأزمة. غير أن نابليون الثالث أراد أن يجعل من نصره السياسي هذا نصرا مدويا يظهر بروسيا بأنها ليست ندا لفرنسا على الإطلاق، فأصر على أن تقوم بروسيا بإعلان سحب الترشيح ، بل يعلن الملك غليوم ذلك شخصيا . فكان ذلك بمثابة الحمق السياسي من قبل نابليون، إذ لم يكن بسمارك ليرضى بإهانة بروسيا خصوصا وأنه ربما تفقد بروسيا مكاسب عظيمة هيأها بسمارك بنفسه.

لم ينتظر بسمارك طويلا لتأتيه فرصة تبرير الحرب إثر ما أشتهر ببرقية (أمز)، حين إلتقى ملك بروسيا بسفير فرنسا في أمز في 31/7/1870 محاولا الحصول على تصريح من الملك بعدم ترشيح ليوبولد في ذلك الوقت أو بعد ذلك، فرفض الملك حتى مجرد مقابلة السفير مرة أخرى، وبهذه المعاني بعث الملك غليوم ببرقية إلى بسمارك مصرحا له بان يخطر الصحافة بهذه البرقية، فأدخل بسمارك عليها تحريفا يصور الملك وكأنه قد أهين من قبل السفير الفرنسي. فما كان من الملك إلا أن رد الإهانة بأشد منها. وقد ظهرت البرقية في الصحف على الشكل الذي وصفه القائد الألماني العسكري الشهير قراف فون ملتكه (Graf Von Moltke) بقوله (إنه تحد).. وهذا ما كان يريده بسمارك، وما كان لا يريده إلى حد كبير أميل أوليفييه.. غير أن تيار الحرب في فرنسا كان عنيفا، فقد كان الشعب ينادي بالزحف إلى برلين، فأصدر مجلس الوزراء إعلان الحرب في 14/7/1870م. وقد خدم الظرف العام وتحالفات بسمارك بروسيا، فظلت الحرب محصورة بين فرنسا وبروسيا.

كان الجهاز المدني الذي يخدم جبهة القتال البروسية مكونا من موظفين متحمسين كل التحمس لمعركة كبرى، والجبهة الداخلية صلبة متفهمة للوضع الذي وضعت فيه الأمة البروسية أمام تحديات الفرنسة المقيتة وواجب الأمة في تقديم التضحية بكل رضا، خصوصا وأن حروب نابليون الأول لا زالت ماثلة. وهنالك نقطة هامة أفرزتها تلك الحرب.. ألا وهي تلك الصورة التي تكونت عن قوة الجندي البروسي ومهارته ومهارة قيادته بصورة مغالية أدت إلى نكبات كبرى خلال الحربين العالميتين الأولى والثانية.

دارت المعارك على أرض فرنسا، وتوالت النكبات المتلاحقة على الجيوش الفرنسية.. فقد هزمت الجيوش البروسية بقسوة جيش مكماهون في ورث، وهزمت فروسارد في إستبشرن في أغسطس 1870، وقد أسند نابليون القيادة العليا لبازين Bazine , وابعد أوليفييه عن الحكم وعين دي ليكو، غير أن الهجوم البروسي كان شديدا فاستسلم دي ليكو في 27/10/1870, وكان إستسلامه قاضيا على جزء كبير من الجيش الفرنسي المقاتل فاستطاع مولتكة تطويق جيش مكماهون في سيدان في 2/9/1870 ورميه بمدفعيته حتى إستحال الأمر بالنسبة للفرنسيين إلى مجرد مجزرة رهيبة، وكان مع جيش مكماهون نابليون الثالث الذي أضطر إلى الإستسلام إلى الألمان وبذلك سقطت الإمبراطورية الثانية فكانت بداية الجمهورية الثالثة بفرنسا.

لكن وبعد النصر الساحق لبسمارك تبدلت الموازين، فأصبحت فرنسا هي التي تدافع عن نفسها وأصبحت روح القومية الفرنسية هي الباعث الحقيقي على القتال، وظهر غامبيتا كبطل قومي في تلك الظروف، وقاتل الفرنسيون حول عاصمتهم مستبسلين دفاعا عن عاصمتهم غير أنها سقطت، وفر منها غامبيتا الذي أبى أن يترك الهزيمة تقتل روح الشعب..

في 18/1/1871 أعلن بسمارك قيام الإمبراطورية الألمانية، التي كانت بداية لعهد جديد حتى أن بعض المؤرخين إعتبرها النقطة الفارقة بين التاريخ الأوروبي الحديث وتاريخ أوروبا المعاصر. وبذلك ظهرت ألمانيا الموحدة كما أرادها بسمارك تحت زعامة بروسيا للدويلات الألمانية تحت إمبراطور ألماني. ووضع اللدستور الألماني الذي أبقي على الكيانات الإقليمية وخاصة في جنوب ألمانيا.. وقد نص الدستور على تكوين مجلسين .. البندسرات Bunesrat الذي تتركز فيه السلطة التشريعية، والرايخستاج (Reichstag) وهو بمثابة مجلس الشعب. أما الحكومة وعلى رأسها بسمارك مستشار الرايخ فقد ظلت بعيدة عن متناول المجلسين. ونمت ألمانيا في عهد بسمارك حتى أصبحت أكبر منتج في أوروبا حيث نمت الصناعة الألمانية بسرعة مذهلة، وقوي جيشها غير أن أسطولها كان لا يزال ضعيفا.

بدت الوحدة الألمانية والإنتصارات العظمى التي حققها الألمان كالمعجزات، مما أصاب المفكرون الألمان والشعب بمركب من مركبات التصاعد الذاتي العنصري، حتى أنه شاعت أفكار أن الألمان خلقوا ليحملوا رسالة الحضارة والتقدم لمختلف أنحاء العالم على أيدي المفكرين وعلى رأسهم هنريتش فون ترايتشكيه (Heinrich Von Traitschke).. فالعقول والأيدي الألمانية هي من سترسم مستقبل العالم. وحان وقت وراثة الإمبراطورية الإنجليزية كما ورثت روما قرطاجنة. مما أثار مخاوف دول الجوار واثار التساؤلات بعد صلح فرانكفورت .. فأي سلام هذا الذي فرضه السيف الألماني؟! ولقد رأت الدول أن ألمانيا حققت وحدتها وهذا حقها .. غير أنها وضعت مبدأ آخر وهو أن حق تقرير المصير للشعب القوي فقط والذي يستطيع تحقيق وحدته القومية .. أما الضعيف فسيفقد وحدته القومية.

لقد جر بسمارك على ألمانيا حملة كبرى بإقتطاعه اللورين من فرنسا وبذلك داس على حق تقرير المصير بقدميه. و لكن حقيقة لم يكن بسمارك وحده من يلام على عدم إحترام حقوق الشعوب في تقرير مصيرها في ذلك الوقت .. فالمجر يتحكمون بالتشيك والصرب ، والنمسا تتحكم في التيرول الجنوبي بأيطاليا، وبريطانيا وفرنسا تتحكمان في إفريقيا والوطن العربي ولن تتورعا عن إستعمار شعوب أخرى بقوة السلاح دونما إشارة لحق تقرير المصير.

فالمسألة ليست إحترام حقوق الشعوب بقدر مخاوف أوروبا من أن تمتد قبضة المارد الألماني الجبار إلى أقاليم أخرى، وبنفس الوقت مخاوف ألمانيا من ظهور تكتل أوروبي ضدها .. غير أن الواقع الأوروبي بعد كل الدماء الغزيرة التي أريقت لم يعد يحتمل نشوب حروب جديدة، لقد بدا زعماء وملوك الدول الأوروبية بعد كل تلك الحروب وكأنهم مجموعة من رجال العصابات كل منهم يريد أن ينهب أكبر قسط من الغنائم عن طريق قتل زميله قبل أن يقتله، فتطلعت أوروبا إلى سلم تحكمه مباديء إنسانية وقوانين دولية، فبذلت جهود كبيرة من قبل المفكرين لوضع أساس لآتحاد أوروبي، وعلى رأسهم أستاذ القانون الدولي جيمس لاتيميه (James Latimer) ، غير أن الواقع لم يكن مهيأ لهذا الفكر السامي، وليس أدل على ذلك من مقولة بسمارك في العام 1876 (مخطيء من يتحدث عن أوروبا .. إنها مجرد تعبير جغرافي).

فبسمارك كان لا يزال يسعى لعزل فرنسا، والحرب المحتملة معها مجرد مسألة وقت على خلفية اللورين، وكان يردد: (لن أنتظر أن تصبح فرنسا مستعدة لكي أحاربها).. في حين كانت تسعى فرنسا لخلق تحالفات ضد ألمانيا، وهي أيضا بقيادة تيير (Thiers) تؤمن بحتمية الحرب غير أن شن حربا إنتقامية قد تجرها لنكبة كبرى وتزيد ألمانيا قوة على قوتها. وقد شخص تيير سياسته بقوله: (تفكير بالإعتدال وحذر برغم كل شيء ... إذ أننا لم نصل بعد إلى مرحلة المبادأة). فكانت إعادة البناء بفرنسا يقابلها التسابق المرهق لألمانيا. فلقد إستطاعت ألمانيا أن تتقدم بوضوح علميا، ففي ظرف سنوات قليلة ظهرت المدن الألمانية المنسقة والشركات الرأسمالية الكبرى، لكن ظل كل ذلك مغلفا بسحابة قاتمة من الخوف من الحرب التي يتوقعها الألمان بين الحين والآخر.

وأخذت الأمور منعطفا جديدا بوفاة الإمبراطور وليم الأول في 9/3/1888م وإعتلاء وليم الثاني للعرش والذي كان شابا طموحا، وكان فكره على عكس بسمارك فنظرته لخريطة العالم أبلغ من نظرته لخريطة ألمانيا في قلب أوروبا، أيضا كان الإمبراطور الشاب حازما في تحديد أهدافه ومسئولياته وبالتالي كان من المتعذر أن يرضخ مثل سلفه لبسمارك، وبسبب سياسات بسمارك نفسها المعادية لطيف واسع من المجتمع الألماني ..( الكاثوليك الذين يمثلون 40% من السكان، وممثلي الطبقة العاملة وحتى اليبراليون الأحرار).. فانتهى الأمر بعزل المستشار وسيطرة الإمبراطور على مقدرات الإمبراطورية، وبظهور هذا الإمبراطور الشاب المتحمس زادت الأمور إشتعالا في ظل الموقف الدولي المتأزم أصلا.. 

وفي تلك الأثناء وتحديدا في العام 1881 وقعت المذابح المعادية لليهود في روسيا اثر اغتيال القيصر. وقد نتج عن هذه المذابح هجرة واسعة من يهود روسيا إلى اوروبا الشرقية والغربية مما سرع في انهيار حركة اندماج اليهود في الأقطار التي يعيشون فيها (والتي لم تكن لتحدث لطبيعة النفسية اليهودية)، كما ان صدور قوانين ايار في روسيا عام 1882 والتي تضيق الخناق على حياة اليهود زادت في هذه الهجرة. وتشكلت مراكز يهودية متبنية دعوة ليوبنسكر في كتابه (التحرر الذاتي) وظهرت منظمة احباء صهيون في أوكرانيا، الداعية إلى الهجرة إلى فلسطين والاستيطان فيها. غير ان الحركة المناهضة لمعاداة السامية (Anti Semitism) بقيادة الصحفي اليهودي الهنغاري ثيودور هرتزل (Theodor Herzl) ومؤلف كتاب الدولة اليهودية (The Jewish State) كانت قد نشطت في تحويل الحلم اليهودي إلى واقع، فنظمت المؤتمر الصهيوني الأول بمدينة بازل بسويتزرلاند وبحضور مائتين من ممثلي اليهود في العالم، وقد إنبثقت عن هذا المؤتمر المنظمة الصهيونية العالمية (World Zionist Organization – W.Z.O) والتي كلفت بتأسيس فروع بكل الدول والأقطار التي يتواجد بها اليهود عبر العالم.

ولم تكن الحركة اليهودية في ألمانيا معقل الروتشلدية بعيدة عما يحدث، ففي تلك ألأثناء كانت الحركة اليهودية النشطة تعمل على قدم وساق في الإمبراطورية الألمانية مستفيدة من الطفرة الإقتصادية الكبرى التي تحققت، والمكانة الدولية المرموقة التي فرضتها ألمانيا على أوروبا، وقد  سعت إلى التقرب من الامبراطور وليم لدعم مشروع قيام دولة إسرائيل بفلسطين، وقد تحقق لها ذلك بعقد  لقاء الصهيوني هرتزل على رأس وفد صهيوني مع الامبراطور في مدينة القدس التي كان الامبراطور يزورها عام 1898. وقد اكد الامبراطور للوفد الصهيوني بان "المساعي الصهيونية في فلسطين التي تحترم سيادة حليفته تركيا تستطيع ان تعتمد على رعايته الكاملة" وقد ترجم الامبراطور وعده بهذه الرعاية بتوثيق العلاقة بين المستوطنين والصهاينة والمستوطنين الالمان من جماعة هوفمان الذين بدأوا عام 1870 بانشاء مستعمرات زراعية المانية في القدس وحيفا ويافا تنفيذا لمشروع القائد العسكري الالماني "مولتكه" بجعل فلسطين مستعمرة المانية.

حاول الصهاينة الألمان إدخال أطروحتهم القومية معلنين بأن: ( إن اليهود مرتبطين سوية بانحدارهم العرقي وتاريخهم المشترك، وبذلك يؤلف يهود كافة الأقطار جماعة قومية، وهذا الاعتقاد لا يناقض بحال من الأحوال مشاعرهم الوطنية النشيطة وقيامهم بواجبات المواطنة وخاصة تلك التي يشعر بها اليهود الألمان حيال وطنهم الأم ألمانيا) .. لقد كان مقر المنظمة الصهيونية في وقت اندلاع الحرب العالمية الأولى في برلين، وقد حاول قادتها وجلهم من الصهاينة الموالين لألمانيا، أن يسخروها خدمة لأغراضهم ومطامعهم.

أما على الصعيد الأوروبي العام، فقد كانت تحالفات الحرب العالمية الأولى  قد أخذت صورتها النهائية فهناك التحالف الثنائي لدول الوسط (الإمبراطورية الألمانية ومملكة النمسا والمجر) في مواجهة دول الوفاق (فرنسا وروسيا .. اللتين إنضمت لهما إنجلترا)، وكان الوضع مهيأ لإنجرار دول أخرى للحرب .. غير أن الحرب لم تقع حتى تلك اللحظة لعدم ثقة أي من الطرفين في تحقيق نصر حاسم ووقوف إنجلترا بين الكتلتين لفترة طويلة. ويعتبر الوفاق الودي الإنجليزي الياباني نقطة تحول جوهرية في تاريخ العلاقات الدولية وحجر الزاوية في طريق أوروبا نحو الحرب العالمية الأولى التي أطلق شرارتها مقتل ولي عهد النمسا فرانز فرديناند في سراييفو في 28/6/1914م.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق